كتاب وأراء

المشاطيب والحساب على المشاريب

«محمد داودية» و«جورجيو آجمبن». ربما لا يعرف الواحد منهما الآخر مطلقاً. الأول وزير أردني سابق والثاني فيلسوف وأستاذ جامعي إيطالي. الوزير السابق استعمل قبل أيام تعبيراً أردنياً عامياً ضد بعض الرموز الدينية المعروفة في العالم العربي. وصفهم في فورة حماس «بالمشاطيب» فأثار عليه عاصفةً من النقد حملته لاحقاً على الاعتذار. و«المشاطيب» في الدارجة الأردنية يُرمى بها عديمو القيمة من أصحاب الرأي الفج والأثر السلبي، الذين يشغلون حيزاً من دون أن يكون لهم فيه فضل ملموس. هم أقرب إلى السلع منتهية الصلاحية.

وللتقريب فالإنسان المشطوب مثل السيارة المشطوبة في عرف دوائر المرور. لا يمكن استعمالها ومع هذا يجب أن تبقى في مكانها ساكنة.

أما «آجمبن» فاستعمل مصطلحاً آخر يدل على «المشاطيب» هو HOMO SACER. وقد نشر في 1998 كتاباً يحمل نفس الاسم ترجمه ناصر إسماعيل في 2014 بعنوان «الرجل الحرام». ويرجع المصطلح إلى التقاليد الرومانية ويطلق على الإنسان الذي يرتكب مخالفة جسيمة ضد العرف الاجتماعي والتي لو قتله أحد بسببها لما اعتبر مجرماً. لكن أحداً مع ذلك لم يكن ليقتله لأنه لا يرقى بسبب معصيته لكي يكون قرباناً طاهراً يرضي الآلهة. ولهذا كان الحل أن يبقى مشطوباً. لا يتعامل الناس معه ولا يتخلصون منه. يبقى حياً لكنه معطلاً. تُنهى صلاحيته وإن لم ينه وجوده.

ويبدو أن المجتمعات العربية باتت أشبه بكتل بشرية مليئة بالمشاطيب. للناس وجود لكن ليس لهم قيمة. يشغلون حيزاً لكن ليس لهم أثر. مسجلون في شهادات الميلاد وقسائم الزواج لكنهم مشطوبون من قوائم المشاركة السياسية وسجلات الملكية الاقتصادية ووثائق الحقوق الإنسانية. ويقدم «آجمبن» في كتاب آخر منشور في 2005 بعنوان «حالة استثناء» تفسيراً للمشطوب أو الرجل الحرام أرجعه إلى ممارسة السيادة في الدولة الحديثة. فبينما يُفترض أنها للشعب كله، تمنح كل فرد فيه حقوقاً متساوية حاكماً كان أم محكوماً إلا أنها باتت في الممارسة حقاً استثنائياً للسلطة التنفيذية التي لم يعد فرد يتساوى معها. صار التنفيذيون حالة استثنائية لا تتساوى مع الجماهير. تحولوا إلى سادة على الشعب بل وعلى السيادة نفسها. شطبوا أفراداً تلو أفراد ليزداد عدد «المشاطيب» وليصبح «الإنسان الحرام» نمطاً شائعاً. محرم عليه النشاط ومحرم التخلص منه.

والطريف في الأمر أن «المشاطيب» هم الذين يحاسبون باستمرار على المشاريب. هم الذين تُرفع عليهم الضرائب فيدفعون. وتطالبهم السيادة بالواجبات فيؤدون. المشاطيب ليسوا كالمحاسيب. فهم لا يحصلون إلا على 1 % إلى 5 % من الثروة. كما يصورون مراراً على أنهم عبئاً على التنمية والتطوير وأنهم ليسوا إلا أعداداً تزدحم بها المدارس والشوارع والمستشفيات. هم ليسوا أكثر من موضوع للتعدادات السكانية. لا يُنظر إليهم على أنهم قوة مُعطلة تستحق أن تفتح لها الأبواب لكي تشارك وتؤثر.

والمطلوب أن يبقى «المشاطيب» «مشاطيب» حتى يتحملوا ثمن المشاريب التي تذهب إلى جيوب المحاسيب. ومطلوب منهم أيضاً أن يحمدوا ربهم لمجرد أنهم أحياء وأن يتذكروا أن أحداً من المحاسيب لو تخلص منهم فلن يلومه القانون. والقانون بالفعل لا يلوم المحاسيب على ما يفعلونه بالمشاطيب. فهو ثقيل لا يتحرك لحماية كتلاً بشرية كبيرة مشطوبة وملغاة بالكامل ولا يتذكر أن له أنياباً إلا عندما يحركه المحاسيب ليجبر المشاطيب على دفع ثمن المشاريب.

وقد ترجع زيادة أعداد المشاطيب، كما يرى «آجمبن»، إلى آلية عمل الدولة الحديثة التي جعلت القائمين عليها مستثنين عن كافة الناس. أو قد تعود، كما ألمح «داودية» إلى أن مصطلح «المشاطيب» تحول من وصف لأشخاص عديمي القيمة إلى ثقافة كاملة تجذرت عبر مدى طويل. لكن تبقى النتيجة واحدة. فمنذ قرون وأعداد «المشاطيب» تزداد في العالم وبالذات في هذه المنطقة. منذ مئات السنين وهم يحاسبون على المشاريب. صحيح أن «المشاطيب» قد يهبّون أحياناً لتصحيح آلية عمل الدولة وتغيير الثقافة إلا أنهم سرعان ما يرجعون مشاطيب بسبب نفوذ وقدرة المحاسيب. وهذا هو ملخص كثير من وقائع التاريخ العربي. مشاطيب ومحاسيب بينهم كثير من الأعاجيب.

د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات