كتاب وأراء

الذين حفروا أسماءهم في التاريخ

الأمم على مدار التاريخ لا تذكر كل من حكموها ولكنها تذكر الذين صنعوا أمجادها أو الذين صنعوا مآسيها، وحتى لا نذهب بعيدا فلو وقفنا عند القرن العشرين نجد أن البريطانيين على امتداد من حكموهم خلال القرن الماضي لا يذكرون سوى وينستون تشرشل وربما يضيفون بعيدا عنه بكثير مارجريت تاتشر وكلاهما صنعا له الأمجاد.
والفرنسيون ربما لا يذكرون من قادتهم خلال القرن العشرين سوى شارل ديغول رغم أنه في عرف كثيرين لم يكن سوى جزارا دمويا أباد عشرات إن لم يكن مئات الآلاف خلال الحروب التي خاضها أو من أهالي المستعمرات التي سيطرت عليها فرنسا وهو يشترك مع تشرشل في أن كليهما كان مسؤولا عن مستعمرات بلاده خارجها وذاق أهالي المستعمرات على أيديهم الكثير من المظالم والجرائم.
وعلى عكسهم تماما فإن الألمان لا يذكرون سوى هتلر لكن أغلبهم يذكر سلبياته وإن كان كثيرون من الألمان دون أن يجهروا بذلك يقدرونه كقائد عنصري انحاز لجنسه وقرر أن يبيد باقي البشر، وكذلك الإيطاليون لا يذكرون سوى موسليني كديكتاتور دموي مستبد أعدموه بعد الحرب العالمية الأولى.
وعلى مستوى الإمبراطوريات التي ظهرت واندثرت خلال القرون الماضية فإن لكل إمبراطورية قائدا فقط أو اثنين يذكرهما الناس أما الباقون فهم في طوايا النسيان، فالذين يصنعون الأمجاد والانتصارات أو يصنعون الحضارة أو يعلون من قيمة الإنسانية والإنسان يحفرون أسماءهم في التاريخ، لكن الذين يعلون قيم العدالة والحرية ويحققون الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها في الأرض فإنهم يحفرون أسماءهم وذكرهم في البشرية إلى يوم الدين، ولو عدنا للتاريخ الإسلامي فإننا نجد أن الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين تصدروا التاريخ الإسلامي بعد الفترة النبوية كل بإنجازات وشخصية متميزة.
وفي الدولة الأموية برز الخليفة عمر بن عبد العزيز رغم أنه لم يكمل ثلاث سنوات في ولايته إلا أنه ملأ صفحات التاريخ عدلا وحلما وكاد أن يعيد الولاية الراشدة لولا السم، ورغم ما حققه كثير من الخلفاء الأمويون من إنجازات في مجالات كثيرة إلا أن عمر بن عبدالعزيز تصدر تاريخ الدولة الأموية بما قام به.
مما يعني أن الحاكم العادل يكون في مكانة أعلى بكثير من الحاكم الفاتح، فالله ينصر دينه بالبر، وكم من خلفاء وحكام فاتحين انتقدوا في سلوكياتهم الشخصية، لكن لم ينتقد حاكم عادل قط في سلوكياته الشخصية لأن العدل ينبع من قلب نقي متصالح مع نفسه ومع الكون وقبل كل ذلك متصالح مع الله خال من الهوى والشطط، ولذلك كان العدل دائما هو أساس الملك الصالح، واستطاع كثير من الحكام الذين تميزوا بالعدل أن يعيشوا أبد الدهر في حياة الناس، بينما ذهب غيرهم طي النسيان ربما وهو على قيد الحياة، أما الظالمون فإن ذكرهم يبقى لعنا في الدنيا وعذابا مقيما يوم القيامة.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور