كتاب وأراء

عن أخلاقيات العمل العام

تواجه أكثر البلدان العربية أزمة واضحة في أخلاقيات العمل العام.. اتسع المجال العام فيها بشكل ملموس لكن أخلاقيات العمل العام لم ترتق بما يواكب متطلبات هذا الحيز المتسع من واجبات.. أما المجال العام فهو تلك الساحات والمساحات المتاحة لالتقاء الناس ببعضهم.. هو الرئة التي يستعملها المواطنون للتعبير والتفكير والتغيير.. هو الشوارع والحدائق والميادين والمستشفيات والجامعات والنوادي وقنوات الإعلام وكل مساحة من حق الكافة الوجود فيها واستعمالها بما يحدده القانون.

وبرغم القهر والتضييق، لم يكن اتساع المجال العام في البلدان العربية مستغرباً بسبب عاملي الإعلام والاقتصاد.. فالإعلام ربط الناس ببعضهم وفتح أمامهم أبواباً واسعة للمعلومات والأفكار تقدمها مئات القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.. أما الاقتصاد فجعل الأسواق والمطاعم والفنادق والشركات وأكثر الخدمات متاحة ليلاً ونهاراً ما سهل للناس التلاقي والتفاعل.

لكن نمو الحيز العام كان له ثمن باهظ.. فقد صاحبه تردٍّ كبير في أخلاقيات العمل العام.. أكثرنا بات يتعجب من شخصيات عامة معروفة في بلادها وهي تنجرف إلى ألفاظ خادشة للحياء ويتأذى وهو يسمع عن نجوم لامعة في مجالاتها ترتكب مخالفات منافية للأعراف والقانون. وما جرى يتلخص في أن المجال العام عندما اتسع، بلا حضور فاعل للقانون، شجع متجرئين لا يملكون أخلاقياته على دخوله. هؤلاء كانوا قبل ربع قرن أو أقل يخشون حتى من أن يتكلموا في غرف مغلقة. أما اليوم فباتوا يطلون على الناس عبر منافذ إعلامية مختلفة تجد في تصريحاتهم وأخبارهم وسيلة لشد الانتباه واكتساب الشهرة والمال.

ولو كان الجدل يتعلق بالمجال العام فهذا لا يجب أن يُغلق أمام أحد. أما لو تعلق بالعمل العام فهذا لا يجب أن يقوم به أي أحد. المجال العام أشبه بحيز جغرافي فسيح لا يُحجر على إنسان التواجد فيه إلا إذا كانت هناك موانع أمنية وقانونية تبرر ذلك. أما العمل العام فليس هو حاصل أنشطة كل من يوجدون في المجال العام وإنما فقط من يستطيعون الإضافة من خلاله إلى الخير العام بترك بصمات ملموسة وآثار واضحة على المجتمع. لكن تلك الصفوة توارت تاركةً المجال العام لأدعياء العمل العام لتصل الأمور إلى ما نعيشه من تناقض بين مجال عام تضاعفت مساحته وعمل عام انتكست أخلاقياته بعد أن تصدره لهاة ولغاة وعابثون. أصبح الطعن في الكرامة والتخوين والإسفاف واللعن والوعيد والتهديد أشبه بجمل يومية يتداولها في المجال العام من يسمون بالخطأ شخصيات عامة.

ومن المؤكد أن السيولة والفوضى التي شهدها أكثر من بلد عربي خلال السنوات الخمس الماضية شجعت على ارتباك المجال العام وسهلت لكل من هب ودب أن يقدم نفسه كشخصية تقود العمل العام. لكن المشكلة أبعد من ثورات 2011 بكثير. إنها ترجع إلى تصرفات الدولة العربية التي ظنت أنها تستطيع أن تبقي المجال العام منكمشاً باستمرار بفضل قبضتها الأمنية القوية. لكن عاملي الإعلام والاقتصاد بالإضافة إلى الضغوط السكانية غير المسبوقة غيرت أشياء كثيرة. فقد فتحت مجال الإعلام عنوة ليدخله كل من يعرف ومن لا يعرف عن أصول العمل العام. ومثلما أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق، طردت الوجوه الرديئة الوجوه الجيدة بعيدا عن التصدي للعمل العام فكان أن تدهورت أخلاقياته إلى أبعد الحدود.

إن العمل العام يتضرر من أخلاقيات الجبن التي دفعت بكثيرين إلى أن يبتعدوا إيثاراً للسلامة. ويتضرر أيضاً من أخلاقيات التهور التي دفع بسببها أكثر من مجتمع عربي ثمناً فادحاً بسبب أدعياء حصلوا من المجال العام على أكثر مما يستحقونه. والمشكلة كبيرة تحتاج إلى مؤسسة كبيرة تحلها. وستبقى الدولة هي المؤسسة الأكبر المسؤولة عن الانتصار لأخلاقيات العمل العام. صحيح أن أكثر الدول العربية يواجه اليوم أزمات طاحنة، لكنها ستبقى الناظم الأساسي، إن لم يكن الوحيد، للمجال العام وكل ما يجري فيه من عمل عام ومن يقدمون أنفسهم على أنهم نماذج للأخلاقيات العامة.

بقلم د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات