كتاب وأراء

«السودان» .. معادلة القلق والإحباط!

- 1 -
للمرة الثانية في أقل من شهر اختارت المعارضة السودانية بمكوناتها الثلاثة، الإسفيرية والحزبية والمسلحة، خيار العصيان المدني ضد حكومة الرئيس عمر البشير. المعارضون اتفقوا على وسيلة واحدة وهي العصيان المدني لتحقيق أهداف متعددة. أغلب المعارضين الإسفيريين يريدون من العصيان المدني أن يسهم في الضغط على الحكومة لإجبارها على التراجع عن السياسات الاقتصادية التي ترتبت عليها زيادات كبيرة في أسعار السلع الضرورية.
أما أغلب المعارضين السياسيين والمسلحين فيرون في دعوات العصيان فرصة مواتية لتصعيد خيار إسقاط النظام في السودان واستبداله بقوة سياسية من خارج فضاء الحركات الإسلامية وبعيداً عن سيطرة المؤسسة العسكرية.
- 2 -
الدعوة الأولى للعصيان المدني، حققت نجاحاً محدوداً.. صحيحٌ قلَّتِ الحركة في اليوم الأول، ولكن ظل العمل متواصلاً في كل المرافق الحيوية وغير الحيوية في الدولة، لم يتوقف مرفق واحد عن العمل وتقديم الخدمة أو يتأثر بصورة ظاهرة.
وربما هذا أغرى القوى المعارضة لإعادة إنتاج الفكرة بالدعوة لعصيان مدني، لمدة يوم بدلاً عن ثلاثة أيام، كما طُرح في الدعوة الأولى.
في الدعوة الثانية للعصيان المدني كانت الاستجابة أقل بكثير عن المرة السابقة، فإذا كانت الاستجابة الأولى محدودة ومثلت عنصر قلق للحكومة السودانية، فالإخفاق الذي ارتبط بالدعوة الثانية مثل عنصر إحباط لأغلب المعارضين.
ما بين قلق الحكومة في التجربة الأولى وإحباط المعارضة في الدعوة الثانية ربما لاحت بارقة أمل بوصول الطرفين لمعادلة توافقية.
-3-
من الواضح أن بعض الناشطين السياسيين في السودان لا يفرِّقون بين الإضراب عن العمل والعصيان المدني.
الإضراب: التوقف عن العمل لأجل معلوم في الغالب، لتحقيق أهداف محددة يستجيب لها ربُّ العمل أو لا يستجيب، إذا كان رب العمل الحكومة أو القطاع الخاص.
والعصيان في معناه العام، هو توقف كل القطاعات الحيوية مجتمعة، دون تحديد ميقات زمني في الغالب، حتى استجابة السلطة أو سقوطها، ويأتي في العادة مصحوباً بتحركات جماهيرية واحتجاجات.
صحيح الدعوة للعصيان المدني دعوة سلمية للتعبير عن الاحتجاج وهي أفضل من الاحتجاجات العشوائية التي تجنح للتخريب؛ وبكل تأكيد أفضل بما لا يقارن من التعبير عبر العمل المسلح.
ربما كانت الحكومة السودانية ستكون في حرج أخلاقي وسياسي إذا انطلقت دعوة العصيان المدني في ظل اعتماد كل القوى السياسية السودانية على العمل السلمي في التعبير عن مواقفها السياسية.
استمرار العمليات المسلحة في أكثر من ثلاث جبهات ضد نظام الحكم في الخرطوم يمنحه مبرراً للتعامل مع أشكال المعارضة التي تتبنى شعارات سلمية باعتبارها امتداداً للعمل المسلح في الأطراف الغرض منه إضعاف الجبهة الداخلية للنظام.
- 4 -
السودان دولة تعاني كثيراً من الأزمات والاحتقانات، لا تحتمل المغامرات غير محسوبة العواقب.
المواطن السوداني وهو يستمع لدعوات العصيان ينظر بعين إلى تجاربه السابقة المتعلقة بثورتي أكتوبر ضد نظامي الفريق عبود وأبريل ضد نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري.
وينظر بالعين الأخرى إلى مصائر دول الربيع العربي التي ثارت ضد أنظمة عسكرية مستبدة ولم تجنِ من ثوراتها سوى الحروب والدمار.
نموذج ثورتي أكتوبر وأبريل في السودان غير قابل للاستدعاء، لم يحقق تنمية وفشل في حماية الحريات، فمهد الطريق للانقلابات.
تجارب الربيع العربي لم تأتِ بخير، استبدلت الطغاة بالغزاة والمستبدين بالإرهابيين.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال