كتاب وأراء

الوداع الأخير لحلب

«ربما تكون هذه المرة الأخيرة التي أقول لكم فيها عمرو حلبي الجزيرة- حلب» اعتصر الألم نفسي وأنا أستمع إلى الزميل عمرو حلبي وهو يودع مدينته التي ولد وتربى ونشأ وترعرع ودرس وتعلم فيها، ثم أجبر مع مئات الآلاف من أهل حلب على مغادرتها دون علم هل يعود إليها مرة أخرى أم لا؟، وذلك في ظل نكبة ربما تكون أكبر من نكبة حرب فلسطين عام 1948 من حيث عدد الضحايا والمعاناة والدمار والخراب الذي جرى لحلب التي كانت زهرة المدن وعروس بلاد الشام، وكل من غادرها كان تماماً مثل أهل عكا ويافا وغيرهما من مدن فلسطين حينما خرجوا منها كانت معهم مفاتيح بيوتهم على أمل أن يعودوا لكن بقيت المفاتيح واستولى الصهاينة على البيوت، تماماً كما استولى الصهاينة الجدد على حلب وباقي مدن سوريا الأخرى وطردوا منها ما يزيد على خمسة ملايين سوري إلى بلاد الشتات والغربة.
وليس هناك وطأة أشد على الإنسان من وطأة إخراجه رغماً عنه من بلده التي ولد ونشأ وتربى وترعرع فيها وبيته الذي ولد وترعرع بين جدرانه وقد عبر عنها الرسول، صلى الله عليه وسلم، بلوعة إنسانية وألم يمتلأ بالحنين حينما قال وهو يجبر على الهجرة من مكة: «والله إنك لأحب البلاد إلى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وقد عبر القرآن الكريم عن هذه اللوعة ومكانة من يجبر على أن يهجر من بلده من أجل دينه فقال سبحانه: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...» فالإخراج من الديار هنا مرتبط بسنة التدافع بين الحق والباطل، فلا يخرج الإنسان من بيته إلا مجبراً تحت وطأة التدافع، والتدافع لا يعني أن الباطل دائماً ينتصر على الحق بل إن الباطل دائماً كان زهوقا، وإذا كانت الجولة اليوم للباطل فلا شك أن الحق أدوم وأبقى حينما تتهيأ له الأسباب، فالفرقة بين فصائل المقاومة لعبت دوراً أساسياً فيما جرى كما أنها لعبت الدور الأكبر في تأخر النصر، وعلى مدار التاريخ غالباً ما تكون الفرقة سبباً للهزيمة، لكنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها حلب للدمار والخراب وتهجير أهلها، وبعد كل مرة يأتي قائد يجمع الناس تحت راية واحدة ويعيد حلب وأهلها إلى ما كانت عليه وأفضل، وإن كانت نكبة الأمة الآن ليست في حلب وحدها، ولكنها في كل الشام والعراق واليمن بلاد الحضارة والعراقة وأرض الرسالات، كلها تقع الآن تحت همجية التطرف والطائفية المقيتة، والسبب الرئيسي في كل ما جرى هو الفرقة والتشتت والركون إلى الشرق والغرب، المشهد الذي نعيشه الآن حدث مراراً في التاريخ في نفس المنطقة ونفس المدن، لكنه عادة ما يكون بداية لعصر جديد للأمة ربما يكون قد ولد من قلب هذه المحنة.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور