كتاب وأراء

اللغة التي لا تصلنا إلى بعض!

تطلعت طويلاً ظهر أمس إلى الحكمة العظيمة، التي قالها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، أعطيت نفسي أكثر من ساعتين وأنا أتأمل العبارة وأبحث عن أهم فوائدها، كان لابد لي أن أدون كل ما أشعر بأنه يمسني شخصياً وينتمي إلى عالمي، جاء ذلك في يوم الإجازة الذي أخصصه فقط لنفسي، من دون أن يكون هناك أي تواصل شخصي مع الآخرين، يوم يخصني وحدي، أشاهد فيه أكثر من فيلم، وأقرأ فيه عشرات الصفحات من أعداد مختلفة من الكتب التي يتوجب عليّ قراءتها، لأنني إن لم أفعل ذلك فلن أصل للشعور بالرضا عن ذاتي.

نشعر دوماً بالجهد الكبير الذي نبذله طيلة حياتنا ونحن في حال لا منته من التواصل الاجتماعي مع الآخرين، في نهاية الأمر لا نشعر أبداً بالراحة التي نرتضيها لأنفسنا، لابد أن يغمرنا ذلك الشعور الآثم بأننا لم نستطع أن نفهم قصد ذاك أو تلك، وماذا يعني هذاك بما قاله لنا في تغريدة عبر حساب «تويتر» أو حتى في «الواتسب»، نحن مشغولون بالآخرين أكثر من أنفسنا، وربما لهذا شعرت بأن مقولة الإمام علي - رضي الله عنه، هي الأقرب للمثالية التي نطمح أن نصل لها من خلال تواصلنا مع مختلف أصناف البشر، ربما حتى لا ننزلق ونضطر لاستعارة حيواتهم وأفكارهم، لنكتشف لاحقاً بأنها غير ملائمة أو صالحة للاستعمال.

هل عليّ أن أتكلم عن أهمية الجلوس مع الذات يوماً واحداً في الأسبوع على الأقل؟ أم علي أن أتحدث عن الطريقة التي بتنا لا نستطيع أن نُعفي أنفسنا من تقييم حواراتنا مع الآخرين، يبدو لي أحياناً بأننا نستخدم لغة لا تتناسب فكرياً مع باقي أفراد المجتمع، أو تحديداً لربما تكون غير منصفة سواءً لنا أو لهم، كما وأن خطأ التواصل الاجتماعي الذي يمكن لهُ أن يحدث، يعود إلى عدم تناسب بعض الآراء التي تطرح للنقاش علانية مع قيمنا أو دستورنا الشخصي، ويبدو أن الأهم من كل ذلك، أن هناك ثمة أمورا لا يجب أن نأخذها على محمل شخصي، إذ يتوجب علينا أن نعفي أنفسنا من التأنيب والعتاب، حيال عدم قدرتنا على التواصل مع البعض بالطريقة التي يفترض أن نكون عليها.

في اليوم الذي أعفي فيه نفسي من الدخول إلى عراك الحياة، ومن الصادر والوارد، أتطلع جيداً إلى العالم من خلال جلسات التأمل التي بدأت للتو أتدرب عليها، عقلي يبدأ في استرجاع الكثير من الأشياء التي قرأتها أو شاهدتها عبر المحطات الفضائية أو عبر قناة «اليوتيوب»، أتأمل أحاديث الضيوف في البرامج، وأتأمل أيضاً ما يطرحه مستخدمو برنامج «الانستغرام» من تعليقات لا حصر لها، واكتشف أن هناك دائماً خللا واضحا وبينا، أن الكثيرين رغم أنهم يتحدثون بلغة واحدة، إلا أنهم لا يفهمون كيف يمكنهم الحديث مع بعضهم البعض، لأنهم في الحقيقة لم يطبقوا مقولة الإمام علي بن أبي طالب، بأن نخاطب كل شخص على قدر عقله!

بقلم : سارة مطر

سارة مطر