كتاب وأراء

تزايد الهجمات الإرهابية .. والمهمات العالمية الملحة

من الملاحظ مؤخراً أن الهجمات الإرهابية في العالم آخذة بالازدياد والاتساع، وهي تندرج في سياق خطة منظمة، والدليل على ذلك أنها قد استهدفت العديد من الدول في وقت واحد، ففي الأردن هجوم في الكرك وقتلى وجرحى تبعه توسع المواجهات بين قوات الأمن الأردنية والمجموعات الإرهابية في أنحاء مدينة الكرك ما يؤشر إلى أن الأردن مقبل على مواجهات واسعة مع التنظيمات الإرهابية التي نجحت في بناء بنية لها في العديد من المناطق وخصوصا في جنوب الأردن.
وفي تركيا لم يتوقف تنظيم داعش عن مواصلة هجماته حيث أقدم على تنفيذ تفجير في ملهى ليلي في إسطنبول ذهب ضحيته عشرات القتلى والجرحى، وبعد فترة وجيزة قام أحد رجال الشرطة، الذي نجح داعش في تجنيده، باغتيال السفير الروسي في تركيا أندريه كارلوف، أما في ألمانيا فقد شهدت هجوما مشابها لهجوم نيس في فرنسا قبل أشهر، حيث أقدم إرهابي يقود شاحنة على اقتحام تجمع للمواطنين في سوق شعبي مزدحم لأعياد الميلاد في العاصمة برلين ودهس العشرات ما أدى إلى مقتل 12 شخصا وإصابة نحو 50 شخصاً بجروح، وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم، في حين تمكن المهاجم من الفرار، وسبق هذا الهجوم سلسلة من الهجمات شهدتها المدن الألمانية هذه السنة. على أن الهجوم الأخير حصل على الرغم من استنفار أجهزة الأمن وتوقعها سيناريو هجمات إرهاببة على مواقع عديدة في البلاد.
هذه الهجمات المتواترة تؤشر إلى عدة أمور:
الأمر الأول: أن قوى الإرهاب المتمثلة بتنظيمي داعش والقاعدة نجحت في السنوات الأخيرة في بناء خلايا سرية نائمة لها في معظم دول العالم مستفيدة من موجات الهجرة لمئات الآلاف من دول عربية وإسلامية وإفريقية، وتنامي النزعة العنصرية في الدول الغربية، وانتشار البطالة وحالة التهميش فيها، وأن هذه الخلايا باتت معبأة بأيديولوجية دينية تكفيرية وهي جاهزة لتلقي الأوامر لتنفيذ عمليات التفجير وإطلاق النار أو الاغتيال أو العمليات الانتحارية.
الأمر الثاني: أن تنظيم داعش أو القاعدة باتا تنظيمين دوليين ويملكان القدرات البشرية والتنظيمية وشبكة واسعة من العلاقات.
الأمر الثالث: أن داعش والقاعدة يكفران كل من يعارضهما الرأي ولهذا فإنهما لا يترددان في مهاجمة وقتل أي إنسان في جميع دول العالم لمجرد أنه لا يدين بالولاء لهما أو لا يؤيد رأيهما تحت عنوان أنه كافر ويجب قتله، الأمر الذي يؤشر إلى حجم تهديدهما وخطرهما على الناس أينما كانوا.
الأمر الرابع: أن داعش والقاعدة قررا القيام بمثل هذه الهجمات المذكورة آنفاً بعد تراجع سيطرتهما في ليبيا والعراق، بهدف إظهار القدرة والقول إن قدرتهما على شن الهجمات لم تتأثر، وأنهما يستطيعان الضرب في أي مكان وهز الاستقرار والأمن في أي دولة في العالم.
انطلاقا مما تقدم يصبح من الطبيعي والملح أن تتحرك دول وحكومات العالم للبحث في سبل مواجهة هذا الخطر الإرهابي، الذي لم يعد محصوراً بدولة بعينها، وتبين أنه قد تغلغل في المجتمعات واستفاد كثيراً من حملات العداء البغيضة التي قامت بها وسائل إعلام غربية ضد المسلمين وتصويرهم بأنهم جهلة ومتخلفون ويشكلون خطراً على العالم.
ولهذا فإن أول ما يجب أن تقوم به الدول والحكومات هو وضع حد لحملات العداء والتحريض ضد المسلمين وتشويه الإسلام، فهذه الحملات أسهمت وتسهم في توفير بيئة حاضنة لكل من داعش والنصرة وتمكنهما من تجنيد الشباب العاطل عن العمل والمهمشين والناقمين على مثل هذه السياسات الغربية المعادية للمسلمين.
كما أن مواجهة خطر انتشار الإرهاب على هذا النحو غير المسبوق لم يعد ممكناً من دون تشكيل جبهة دولية للتصدي له في سياق استراتيجية متكاملة على كل الصعد الأمنية والسياسية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، بحيث تتم محاصرة الإرهابيين وعزلهم وحرمانهم من أي بيئات حاضنة. فمثل هذه الاستراتيجية التي تعمل على حل المشكلات الاجتماعية، وتحظر على وسائل الإعلام ممارسة التحريض الأعمى بحجة حرية الرأي، وتلزمها باعتماد سياسات توعية للناس تسهم في عزل الإرهابيين وعدم الخلط بينهم وبين عامة المسلمين، وتشجع الناس على إرشاد وإبلاغ أجهزة الأمن عن أي عناصر إرهابية. مثل هذه الاستراتيجية ضرورية وتشكل عاملاً مهما يساعد الخطط الأمنية على كشف الخلايا النائمة وملاحقتها واعتقالها قبل قيامها بأي عمليات إرهابية.
كما أن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى سياسة دولية تدعم تطبيق القوانين الدولية، وتحقق العدالة، وتضع حداً لازدواجية المعايير، وبالتالي تنفيذ القرارات الدولية التي تضع حداً لسياسات الاحتلال الصهيوني العنصرية والإرهابية ضد الشعب العربي الفلسطيني والتي تنتهك حقوقه الوطنية والإنسانية، وكذلك تضع حداً لسياسات التدخل في شؤون الدول وحرمان الشعوب من حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن أي إملاءات أو ضغوط خارجية.
إن مثل هذه الاستراتيجية الشاملة هي وحدها التي يمكنها استئصال الإرهاب من جذوره وبالتالي القضاء عليه. وطالما بقيت هناك انتقائية في تطبيق القرارات الدولية، وغياب للعدالة، وطالما يوجد هناك ظلم واضطهاد وتهميش وتمييز وعنصرية فإن الإرهاب سيبقى يجد له بيئات حاضنة ينمو ويترعرع فيها.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي