كتاب وأراء

ازدواجية المعايير ممتدة من البوسنة إلى حلب

فقط وقبيل نهاية العام 2016 دفع مجلس الأمن في اتجاه نشر مراقبين سعيا لإنقاذ المدنيين في حلب، ولكنه عقد قبل ذلك ثلاث جلسات خلال فترة وجيزة فشل فيها كلها في التوصل إلى قرار لوقف المأساة الإنسانية هناك. الوصول متأخرا للغاية والاستعصاء على القيام بواجبه قبل أن تتحول المدينة إلى خراب يؤكد أنه يتحمل المسؤولية الأكبر في هذه المأساة.
هذا ما كان قد أقر به بان كي مون قبل أيام قليلة من انتهاء مدته كأمين عام للأمم المتحدة، مما يعد شهادة دامغة على فشل أقوى هيئة دولية في القيام بواجباتها.
أما والأمر كذلك فإن رائحة التمييز والتعامل العنصري تفوح بقوة من هذا الموقف الدولي المتقاعس، ولنأخذ من التجارب السابقة ما يفيد بأن المجتمع الدولي وعلى رأسه مجلس الأمن قد تعامل بازدواجية المعايير في الحالة السورية فيما يتعلق تحديدا بالجوانب الإنسانية، لا لشيء سوى لأن القضية تخص عرب الشرق الأوسط والسنة منهم تحديدا حيث لا يرقون إلى مستوى الاهتمام الذي يحظى به الآخرون.
المقارنة ممكنة بين الموقف الدولي بخصوص مذبحة سربرنيتسا، وبين الموقف الدولي من الكارثة الإنسانية في شرق حلب. ودون الدخول في تفاصيل أزمة البوسنة والهرسك (1992-1995)، فإن بلدة سربرنيتسا الواقعة في شمال شرق البوسنة كان أبناؤها من المسلمين البوشناق قد تعرضوا لمذبحة على أيدي قوات الجيش الصربي وذلك في يوليو 1995 راح ضحيتها نحو 8 آلاف شخص. وحدث ما حدث أمام أعين قوات حفظ السلام الدولية.
في الحالة البوسنية كان هناك تقاعس دولي واضح منذ أن بدأ الصرب حربهم ضد مسلمي البوسنة، ولم يتحرك عمليا إلا بعد 3 سنوات. نفس الموقف أي الإهمال واللامبالاة حدث في الحالة السورية عموما وبالنسبة ولما جرى في حلب الشرقية خصوصا. وعندما تحرك كلينتون ودفع الناتو للتدخل تحت قيادة الولايات المتحدة في حالة البلدة البوسنية تم ذلك ليس حمية على المسلمين وإنما كان استجابة لضغوط الأمم المتحدة التي وجدت نفسها في موقف محرج للغاية دوليا حيث لم تتدخل قواتها لوقف المجزرة وفشلت في حفظ السلام هناك من ناحية، ولأن الدول الأوروبية تخوفت من امتداد حملات التطهير العرقي إلى أراضيها من ناحية أخرى. أما أن يحدث شيء من هذا القبيل في سوريا فإنه لا يهدد الغرب ولا يعد أمرا عاجلا يستحق التحرك. مسلمو البوسنة أوروبيون في نهاية المطاف وجزء من الثقافة الغربية، بينما مسلمو سوريا عرب شرق أوسطيين لا ينتمون للثقافة الغربية المسيحية.
وبعد سلسلة طويلة من التعلق بالحل السلمي، بينما كانت رحى الحرب دائرة لا تتوقف من البداية، بدا وكأن المجتمع الدولي وعلى رأسه مجلس الأمن قرر أن يترك سوريا نظاما ومعارضة لمصيرها. وبرغم ضخامة التكلفة الإنسانية التي كانت كفيلة في حد ذاتها لتحقق وحدة إرادة الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن لوضع نهاية سريعة للمأساة السورية، لم يملك المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي سوى التحذير من أن عمر المأساة سيطول لأجل غير مسمى.
في سربرنيتسا لم تكن التكلفة الإنسانية بنفس الحجم بل أقل بكثير جدا، وإن كان ذلك لا يعني التقليل من حجمها. ومن يعد بالذاكرة عن تلك الأحداث يستطع أن يرصد ضخامة الغضب الذي اجتاح العالم الإسلامي وقتها رفضا لاستمرار الانتهاكات والمجازر.
تغير الزمان والمكان، ولم يجد السوريون نفس الحجم من مشاعر التضامن والضغط الشعبي والرسمي الذي يجعل أصحاب الفيتو يجمعون ولو على قرار واحد لمواجهة الوضع الإنساني المتردي هناك والذي يبشرنا المتحدث الرسمي الأميركي بأنه سيزداد سوءا.
إن لم تكن المقارنة السابقة دليلا على التمييز والكيل بمكيالين من جانب من يتربعون على قيادة العالم ضد العرب وقضاياهم لمجرد أنهم عربا، فماذا يكون إذن؟.
لقد حان وقت المراجعة..

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد