كتاب وأراء

نساء غير قابلات للكسر

«أتعرف ما هو الأهم، أن نبقى أحياء حتى تنتهي الحرب» هذا ما قاله أحد الأسرى في المعسكر الحربي في اليابان لصديقه في الفيلم الذي أنتج عام 2014 UNBROKEN وترجمته إلى العربية «غير قابل للكسر»، قالها وأنفه ينزف وركبته شبه مكسورة وإحدى أذنيه قد شطرت وتراكم بقايا الدم فيها، الكلمات التي تروق لي أدونها فوراً، ولا أتركها تمر عبوراً، لابد لي أن أقف طويلاً أمامها، الجميع عليه أن يبقى حياً سواءً أكانت هناك حرب أم سلام دائم، الحياة مدهشة لا تستحق أن ننتهي منها من دون أن نترك أثراً باقياً فيها.

خلال الأسبوع الماضي، قرأت كتابين فقط، واندهشت من أحدهما، وقررت اليوم إعادة قراءته من جديد، كما وأنني أمضيت ساعات طويلة أيضاً في مشاهدة أعداد لا حصر لها من الأفلام العالمية، سبق وأن فاتتني مشاهدتها، أعترف أنه كان أسبوعاً سينمائياً بجدارة حافلاً بالكلمات والإبداع، وإدراك الجمال عبر نواح مختلفة ومتعددة. الكثيرون منا لا يدركون عظمة السينما أو حتى قدرتها على التغيير، الآخرون أيضاً يمكنهم أن يغيرونا، الآخرون وأعني بهم هؤلاء الذين نتواصل معهم إما رغماً عنا أو نجبر أحياناً على التواصل معهم لأسباب لا تحصى، ولكن نرغم أن يكون بيننا وبينهم تواصل مستمر، البعض يستجيب لكي يبقى نفسه محاطاً بعدد من الأشخاص، والبعض الآخر لا يستجيب بالمرة، لأنه مدرك أن ذاته تستحق الاهتمام والانتباه أكثر من الآخرين، وأنا اسمي ذلك بالوعي التلقائي والمتيقظ في ذات الوقت.

من منا يمكن أن يكون في الحقيقة غير قابل للكسر، تماماً كما هم الأسرى الذين يقاومون الموت جوعاً وبرداً، ويتشبثون بالحياة حتى آخر قطرة لكي يعودوا إلى ديارهم؟ ترى من منا يجد نفسه أهم من أن يكسر أو تدمر حياته، وتصبح أفكاره وإيمانه من الداخل غير قابلة للتفاوض؟ أتعرف من يفعل ذلك، حينما تخترق طبقات الأنا لا وعيه المشروط من الداخل، هنا يتمكن من اختراق جميع الأنظمة في داخله، ويصبح قادراً بشغف رغم ظروف الحياة، ورغم انتهاء بعض الأمل أن يكون مؤمناً بأن الحياة لا يمكنها أن تتكرر أكثر من مرة.

أتبصر دائماً حياوات عاملات المنزل، اللاتي يهجرن أحضان أطفالهن وأزواجهن، ويأتين من وطن إلى وطن آخر، ويصبحن جزءاً من تاريخ لا ينتمين إليه، تاريخ ديني واجتماعي وفلسفي وحتى طبقي، أدرك وأنا أحرر نفسي من الأسى، أن لكل واحدة منهن طاقة مختلفة، ربما الفقر دربهن على القبول والرضا، ربما إيمانهن العميق إلى أهمية بقاء حياة أسرهن في أمان واستقرار، دفعهن بإصرار لعدم القبول الفوري بالانكسار، بل أننا لاحظنا أن الكثيرات منهن استطعن أن يلتقطن اللغة العربية بسرعة كبيرة، وهذه هي الحكمة الهادئة في أمر القبول، رغم أن بعضهن يجهلن القراءة والكتابة، لكنهن لا يجهلن أهمية بقائهن أحياء!

ترى هل فهم البعض ما أردت أن أقوله في مقالي؟ أطلقوا الأسرى بداخلكم لكي تتخلصوا من الخوف، علينا أن نعيش حالة الوجود العقلي أكثر مما ينبغي.

بقلم : سارة مطر

سارة مطر