كتاب وأراء

بوتين والإنقاذ السوري

ما الذي تكسبه روسيا من حربها المستمرة في سوريا؟ سؤال يبدو منطقيا جدا بالنظر إلى التكلفة المالية الكبرى التي تكلفها طلعة الطائرات الروسية الحربية يوميا، عدا عن خسارتها الحربية لمعداتها سواء بضربها من مقاتلي المعارضة أو عبر استهلاكها بالاستخدام اليومي، وعدا عن معاشات الجنود والضباط الروس المتواجدين في سوريا، وعدا أيضا عن خسارتها لكوادرها العسكرية والاستخباراتية في الحرب السورية.
ومن المعلوم أن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ أعوام والتي ضربت أوروبا وأميركا قد طالت في جزء كبير منها روسيا والدول المستقلة عما كان يسمى الاتحاد السوفياتي، ولعل في روسيا يبدو الوضع أكثر تأزما، فالفساد السياسي والاقتصادي والإداري يكاد يحول روسيا العظمى إلى واحدة من دول العالم الثالث، وهو ما يخلف تململا شعبيا كبيرا ضد بوتين وسياساته.
وبداهة أن حربه في سوريا بما تسحبه من الموازنة العامة ستساهم في تعميق هذا الغضب الشعبي، ما الذي سيكسبه بوتين إذا من هذه الحرب طالما لايوجد من يغطي تكلفتها، ولا تنفع الخطط الاستراتيجية لاستغلال ثرواتها الباطنية.
فالحرب الطويلة أعادت سوريا إلى نقطة الصفر أو (على الحديدة) كما يقال في الدارج السوري، ما هو الهدف المباشر للتدخل الروسي الكبير في حرب سوريا، لن يصدق أحد أن الهدف هو دعم بقاء نظام الأسد في الحكم، فروسيا، كغيرها، تشتري وتبيع في السياسة، ولن تهتم ببقاء الأسد إذا ما استطاعت إيجاد بديل عنه متحالف معها.
وهو ما ليس مستحيلا في الحالة السورية، فارتباط مؤسسة الجيش في سوريا بروسيا قديمة جدا، وهو ما يساعد الروس على اختيار بديل عسكري عن الأسد، كما يريدون، تبدو حقيقة الأمر إذا في منطقة أخرى، حيث أعاد التدخل الروسي في الحرب السورية الاعتبار لروسيا كقوة دولية يحسب لها حساب في المحفل الدولي بعد سنوات من التغييب والتخبط إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، يعتمد بوتين،على ما يبدو عليه الأمر، على تحقيق الانتصار في سوريا ليبدو كقوة عظمى مقابلة للولايات المتحدة الأميركية.
ويلعب في هذا على ما تعانيه القوى الإقليمية الكبرى من مشاكل داخلية وخارجية ليفرض ما يريده من تفاهمات تثبت وضعه في الداخل السوري بوصفه القوة التي استطاعت القضاء على الإرهاب وإيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية بعد أن فشل الجميع خلال ست سنوات في ذلك، وهو ما حصل فعلا في التنسيق مع إسرائيل وفي تحييد الدور الإيراني إلى النسق الثاني، وبعد أن اكتفت اوروبا وأميركا بدور المراقب القلق ريثما ينتقل ترامب إلى البيت الأبيض وتبدأ معالم سياسته بالظهور. يراهن بوتين إذا في انتصاره السوري على استعادة المجد الروسي العسكري والسياسي، ومنهما يمكنه استعادة مجده الاقتصادي، وبهذا يصبح لاعبا رئيسيا في الملفات الدولية الكبرى بعد انتهائه من الملف السوري.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران