كتاب وأراء

فضول المعزين

لا أظن أن الأمر خافٍ على الجميع، لا أظن أن الكثيرين لا يعرفون ما سأكتبه في مقالي عن الحزن ورؤيته لدى الآخرين، ربما معظمنا عايش مثل هذه الأوضاع بطريقة أو بأخرى، حينما يأتي المعزون للقيام بواجب العزاء لأهل الفقيد، عليك أن تتنبه لجميع تصرفاتك، على الأخص إذا كان الفقيد يمت إليك بصلة قريبة جداً، المجتمع بات ينظر إلى المظاهر كعادته، ويطلق الأحكام عبثاً ودون روية، هو في الحقيقة يأتي ليقدم واجب العزاء كسباً للأجر، ومراعاة لنظام المجتمع القبلي وهي المشاركة في الأفراح والأحزان، جبلنا منذ أن وعينا على الحياة، ونحن ننظر إلى المعزين القادمين إلينا، وكأنهم جزء من قلوبنا، حتى لو كانت علاقتنا بهم ليست على ما يرام، أو يشوبها بعض المشاكل، لكن وجودهم يمحو كل ما كان في السابق، المشاركة تصبح لها قيمة لا يمكنني شرحها في مقال واحد، تشعر بانعكاسات ثرية وملهمة بداخلك، وأنت ترى بعض من خذلوك في حياتك، أو قامروا على خسارتك، وهم يرتدون السواد وعيونهم ملأى بالدموع، ويحتضنونك وكأن الفقيد لم يكن إلا واحداً من أفراد أسرهم.

المشاركة الوجدانية تلعب دوراً كبيراً على الأخص في الوطن العربي، وفي السودان على سبيل المثال، لو مر على المتوفى عام كامل، لكن ما أن يأتي المهاجر أو المغترب عن وطنه، فأول ما يقوم به هو الذهاب إلى أهل الفقيد والقيام بواجب العزاء لهم، تكريماً وإجلالاً لهم ولفقيدهم، هذه الصفة لم أكن لأعرفها إلا من صديقة جميلة ودافئة من أهل السودان، حيث عبرت عن أن المشاركة في العزاء في السودان تأتي في المرتبة الأولى، ومن النادر جداً أن يتخلى البعض عن القيام بهذا الواجب.

أما في خليجنا فالعزاء بالتأكيد يتخذ موقعاً مهما في ربط العلاقات الاجتماعية بعضها ببعض، ولكن هل تعرف أحياناً ماذا يفعل المعزون بعد مغادرتهم لمكان العزاء، للأسف يبدؤون في البحث عن تفاصيل حزن أهل الفقيد، كيف كان حالهم، من بكى أكثر من الآخر، ومن أغمي عليه، ومن صرخ بصوت مسموع ولطم على صدره ووجهه من هول الصدمة، أمور يتعجب لها الفكر ويشيب الشعر لها، الحزن مؤلم في كل الأحوال، البعض يكتم حزنه الأليم وما أن يدخل إلى داره، حتى ينفرط في بكاء لا ينقطع، والبعض يتحامل على نفسه، ويقوم بالواجب من صب القهوة وترتيب صواني الطعام التي تقدم للمعزين، أما البعض الآخر فمن هول الصدمة لا يتمكن من الحديث أو حتى المشاركة في القيام بأي شيء، فيبقى صامتاً منفرداً بعيداً عن الآخرين، غير مكترث بمن جاء أو رحل من المعزين.

ولكن البعض من المعزين ليس فقط في وطني، ولكني أعتقد في معظم دول الخليج، عليك أن تبقى في صورة وهيئة معينة، حتى لا يكثر الحديث عنك، حتى لا يتصيد البعض أخطاءك، حتى لا يقولوا إن قلبك مصنوع من حجر وأسمنت وطابوق، عليك أن تكون مثلما هم يريدون، فقط لتبتعد عن التأويل والقصص التي ستحاك حتماً عنك ما أن يخرجوا من مجلس العزاء.

هذه مشكلتنا في الخليج خاصة، المظهر الخارجي لا بد أن يكون متسقاً تماماً مع ما يبتغيه الآخرون، رغم أنك في معظم الأحيان، لا تريد أن تكون ضعيفاً أو قليل الإيمان، لكي تبهر من حولك ببكائك ونواحك، فالحزن لا يكون فقط في اليوم الأول أو الثاني، إنما الحزن سيتولاك في الأيام المقبلة، حينما تفتقد من كان هو سندا حياتك!

بقلم : سارة مطر

سارة مطر