كتاب وأراء

ليتك لو كنت رصيفا!

الرصيف.
هو من الأمكنة البائسة، في هذه الدنيا.
هو يظل هو.. هو. متسمرا في مكانه. يرفع يده بالوداع، ويرفع يده بالاستقبال.. وهو في الحالتين يظل لامباليا بمن جاء، أو بمن رحل.
الرصيف، لا يعرف نعمة الحركة. لا يعرف نعمة الاستماع إلى أغنية.. إلى مقطوعة. هو.. أذنه دائما «مدووشة» بأزيز القطارات.. وطرقعة الأحذية.
من طول ما مرت، هو لا يتذكر كم قطار مرّ.. ولا يتذكر كم من حذاء لعق.
هو لا يعاين إلى فوق.
الرصيف، مطأطئ الرأس أمام.. تحت كل حذاء!
هل هنالك في الدنيا، من كافة الامكنة، من هو في بؤس الرصيف؟
لو سألناه: ماذا كنت تريد أن تكون، لو لم تكن رصيفا، لكان قد أجاب: بالطبع ماكنتُ لأريدُ- إطلاقا- أن أكون لحظة عابرة في حياة إنسان!
آه، حتى الأرصفة، تقول الحكمة، في خضم بؤس اللاتزحزح.
في كل مكان- إذن- حكمة.. وأنا لا أعرف كل حكم الأمكنة.. ولا أعرف- بالطبع- حكمة من حكم اللامكان!
آه، صدقت أيها الرصيف: كل لحظة عابرة في حياة إنسان- أي إنسان- مثلك تماما: رصيف.
.. ومن رصيف إلى رصيف، يبقى العمر، مجرد لحظات عابرة.
أيها القطار الذي يمرُ بنا.. ليتك لو كنت رصيفا!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار