كتاب وأراء

مثال التحرر من الإنسانية

يدهش المرء من الحالة التي تسيطر على البعض في لحظة ما يمارس القسوة بأبشع صورها حتى ليبدو أنه لا يمت إلى البشر بصلة. من ذلك فيديو انتشر أخيرا عبر «الواتساب» لرجل يستمتع بتعذيب طفل صغير بصعقه بالتيار الكهربي في سوريا فيما بدا أنه انتقام من أقربائه، ولعل السبب يعود إلى اختلافهم معه في الفكر والتوجه. ومن ذلك أيضا الحكم الذي صدر في إحدى دول التعاون على مسنة خليجية حبست خادمتها الآسيوية في غرفة طوقتها بالأسلاك ومنعتها من الخروج فقتلتها تجويعا. ومن ذلك مشاهد كثيرة يتألم المرء لمشاهدتها فيدهش من الذي نفذها ويتأكد أنه نزعت منه الرحمة وبعد عن الإنسانية.
هذه المشاهد تختلف عن المشاهد التي يروح ضحيتها أناس في لحظة غضب، حيث حدث مثلا قبل وقت قصير أن صفع رجل زوجته فسقطت ميتة ولم ينتبه لذلك إلا بعد أن سكت عنه الغضب وكذلك الذي أشعل النار في والديه، ومثل هاتين الحادثتين وغيرهما كثير تحدث باستمرار ويروح ضحيتها أعزاء على مرتكبي الفعل.
ترى ما الذي يحدث للإنسان فيتحول في لحظة إلى وحش كاسر؟ ليس الحديث هنا عن حالة الغضب التي تأسر الإنسان في لحظة فتعميه فلا يعرف ما يفعل ولا ينتبه إلى نتيجة فعله بعد حين ويندم، ولكنه عن أولئك الذين يتلذذون بتعذيب الآخرين كتلك العجوز التي جوعت خادمتها حتى ماتت وكذلك الذي عذب الطفل بالتيار الكهربي حتى لفظ أنفاسه وكغيرهم من الذين تورطوا في أعمال إجرامية خططوا لها جيدا ولم تأت نتيجة صدفة أو لحظة غضب؟
هل هو الحقد الذي يعمي البصر والبصيرة؟ هل هو الرغبة في الانتقام رغم أن الضحية لا علاقة لها بالأمر؟ هل هو الرغبة في تجاوز القانون والأعراف؟ لا أعرف بالتحديد ولكني أعرف أن هذا يدخل في باب الجنون ويستدعي الأحكام المغلظة.
من تابع تطورات الأحداث في سوريا والعراق في الشهور الأخيرة وفي الأيام الأخيرة بشكل خاص لابد أنه لاحظ أن حوادث من هذا النوع وقعت بكثرة وراح ضحيتها أبرياء لا علاقة لهم بما حدث أو يحدث، ولو تفرغ بعض من حضروا جزءا من ذلك المشهد لتدوين ما رأوه بأعينهم لأنتجوا كتبا تحتوي على آلاف القصص الغريبة والمعبرة عن تلك الحالة المدهشة من القسوة والظلم.
كان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد اضطر قبل حين للقول في خطاب رسمي إن جرائم من هذا القبيل تورط فيها منتمون إلى الحشد الشعبي في بعض المناطق التي تم تحريرها وتوعد الفاعلون بالحساب العسير.
كثيرون راحوا ضحية تفكير أهوج سيطر على البعض، وإذا كان واردا حصول مثل هذه الأمور في فترات الحروب كما هو الحال الآن في سوريا والعراق فإن الغريب أن تحصل في بلدان لا تعاني من الحروب، ما يدفع إلى طرح السؤال نفسه ولكن بصوت أعلى عن الأسباب التي تدفع المرء إلى التحرر من إنسانيته.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن