كتاب وأراء

نحتفل بها ونبكي عليها

تحية إكبار وإجلال وإعزاز لدولة قطر أميراً وحكومة وشعباً في يومها الوطني، وقد أحسنت باختيار الثامن عشر من ديسـمبر لأنه ذكرى تأسيسـها كدولة حديثة. وتحية إلى اللغة العربية في يومها العالمي الذي يحتفل به في اليوم نفسه، لكن العرب لم يتفقوا على يوم محدد، فتركوا الأمر لليونسـكو التي اختارت هـذا اليوم لأنه اليوم الذي وافـقت فيه الأمم المتحدة عام 1973 عـلى أن تكون العربيـة إحدى اللغـات المعتمدة في الأمم المتحـدة، بـينما اختارت الصين 20 أبريل تخليداً لذكرى سانغ جي مؤسـس الأبجدية الصينية، واختارت بريطانيا 23 أبريل لأنه تاريخ وفـاة شـكسـبـير، واختارت روسـيا 6 يونيـو لأنه تاريخ ميلاد شـاعـر روسـيا الأعظم والأشـهر بوشكـين، ألم يكن العرب قادرين على الاتفـاق على ميلاد أو وفاة شـاعر أو أديب عربي لاتخاذه يوماً للغة العربية؟
نبكي حال اللغة العربية المتردي ونحن مـن أوصلها إلـيه، ولا أخاف اندثارها لـسـبب وحيد، أنهـا لغـة القـرآن الذي وعـد الـلـه تعالى بحفـظه. وأبدأ بالأهـم، فلا أعتـقد أن أمة على وجـه الأرض تعلـّم بغير لغـتها إلا أمة العرب، ولا أتحدث عن اللغات التي يسمونها حية، بل عن لغات تكاد تكون مجهـولة، حتى اللغات الأوروبية غـير المشهورة، من يعـرفها؟
لماذا يعتز أبناء كل لغة بلغـتهم ونخجل نحن بلغـتنا ونتباهى باتقان لغة أجنبية، بينما يخطئ خريج الجامعة فـيما يجب أن يعرفه تلميذ الابتدائية، ويفشـل في قراءة سـطر واحد دون أخطاء؟ اعتزاز أبناء كل لغة بلغتهم يشمل الجميع، ومشـهورة الحادثـة التي وبّخ فـيها رئيس وزراء اليابان رجل أعمال لأنه استخدم الإنجليزية. وزار كثيرون منكم بـلداناً أوروبية عـدة، هـل لقـيتم من يجيب عن أسئلتكم بالإنجليزية متباهياً؟ يرفض هذا مع أنه يعرف الإنجليزية. ذات يـوم من عام 2006 تحدث رجل أعـمال فرنسي بالإنجليـزية في مؤتمر عام، فغضب الرئيس شـيراك وغادر القـاعة. وضع صالون حلاقة ياباني لافـتة تـقول: إن عـمالنا غـير مستعدين للتعامل مع من لا يحدثهم باليابانية.
ليست اللغة كائناً منفصلاً عن الأمة، إنها شعارها ورمزها والمعبرة عنها، وانعكاس لأوضاع هـذه الأمة، وبما أن أمتـنا العـربية في تراجـع مسـتمر ومُخز على جميـع الصُعد، اقـتصـادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً، فإن لغتنا تحذو حذوها.
لن يضر اللغـة العربية وجـود اللغات العاميـة التي يتحدث بها الناس في بيوتهم وأسـواقهم، ولكنها سـيضرهـا اسـتخدامنـا هـذه العاميـات في وسـائل الإعـلام المكتـوبـة أو المـرئيـة أو المسـموعة، كما ينادي بعضنـا بوعي منهم أو من دون وعي بالمخاطر، وكما تـفعل جميـع الإذاعات ومعظم القنوات التليفزيونية، وأضيفت إليها الآن وسائل التواصل الاجتماعي.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين