كتاب وأراء

الطريق مع أبو أحمد

أكثر شخصيتين لديهما خيال خصب، وحكايات لا تنتهي، حيث تغرقك في عوالم نادرة وساحرة، هما سائقو التاكسي وحلاقو الشعر، هاتان الشخصيتان يمتلكان أيضاً الحدس والقدرة على التنبؤ وسرعة اتخاذ خط الرجعة، في حال أن لاحظ تجهم المستمع إلى حكاياته، أو عدم التصديق للقصة المذكورة، رغم أن هاتين الشخصيتين لا ترغبان سوى في تسليتك، وهدر الوقت حتى لا تشعر بالنعاس أو الملل.
أكتب مقالي وأنا مع سائق التاكسي وهو أحد الشخصيتين اللتين أقصدهما، لم أعط لأبي أحمد فرصة لعرض عضلات لسانه وجنوح خياله، فقد فهمت الدرس جيداً، أضع السماعات في أذني وأتظاهر أنني أستمع لموسيقى أو أشاهد أفلاماً يوتيوبية، وأن لا وقت لدي لكي أندهش للقصص التي ستكون معظمها من محض الخيال، وهو يعرف ذلك وأنا كذلك، ولكن وجوب احترامنا لبعضنا البعض، سيفترض أن علي الإنصات وعليه تدريب خياله في رص القصص والحكايات.
الطريق كان طويلاً ومملاً ولكني كنت أحاول أن لا أستجيب لأي نحنحة يطلقها أبو أحمد من فمه لغرض قياس مدى جودة مزاجي، فكنت أخرس الملل بل وأكتمه، وأمتع بصري في مشاهدة الطريق، حيث كان الرمل الأحمر والجبال المتباعدة والطقس الجميل العذب، يدعك تعيش لحظات خاصة وهادئة.
ملل سائق التاكسي أبو أحمد دفعه لاستخدام الجوال ومحادثة أصدقائه، وهكذا ارتاح نفسياً بعض الشيء في تبديد بعض من ضجره، لقد عانيت طويلاً من حكايات سائقي التاكسي، فأنا أميل إلى الهدوء وتفقد حساباتي في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ما أن أجلس على مقعد الراكب، لكن للأسف فهذا الهدوء يتلاشى للأبد ما أن تفتح فمك لتسأل سائق التاكسي عن اسم شارع أو طريق أو أي سؤال آخر، فهو يعتقد بأنك تسمح له بذلك في فتح النقاش والحوار وطرح مختلف الأسئلة السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، ويضيع وقتك في الرد على الاستفسارات وسماع مشاكل السائق الشخصية، وحكايات ركابه المذهلة التي لم يسمع بها مؤلف سينمائي، وإلا لصنع منها أفلاماً ذات طابع الخيال العلمي!
أما الشخصية الأخرى والتي تشابه تماما شخصية سائق التاكسي، هو الحلاق أو مصففة الشعر، فهؤلاء أيضاً لهم عالم خاص وإن كانت قصصهم تختلف بالتأكيد عن قصص سائقي التاكسي، لكن عليك أن تصدق أن مصففة الشعر قد رأت جميع النجوم وأشادوا بعملها، إلى جانب ميلهم إلى الحديث عن الأبراج وإنعاشك بصفات برجك حيث تصبغ عليك صفات لم تحلم بها من قبل، إلى جانب حديثهم عن اشتياقهم لأوطانهم وكفاحهم اليومي تجاه أسرهم.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر