كتاب وأراء

عطر الكتابة!

الكتابةُ، نوعٌ من العذاب. الذين يتعاطون الكتابة، يتعذبون.. لكنهم يستعذبون هذا العذاب!
كلُ كاتب، في الدنيا، مصاب- إذن- بالماسوشيزم.. مصاب بدرجة من درجات الاستمتاع بتعذيب الذات!
هنالك، نوعٌ من الكتاب، مصابٌ أيضا، بالسادية.. مصابٌ بدرجة من درجات الاستمتاع بتعذيب الآخرين.
الكتابةُ، لا تأتي كيفما اتفق. أحيانا ينتظرها الكاتبُ من الشرق، فتأتي من الغرب.. يترجّاها وهو على رائحة فنجان قهوة، فتتمنّع، لتطل أول جملة منها، وصاحبها تحترق بين إصبعيه سيجارة- مثلا- أو هو يحترق كله، شوقا للحبيبة، وهذا مثال آخر.. وما أكثر الأمثلة!
لا تأتي، وتأتي..
وهى، من أول جُملة، إلى آخر جُملة.. إلى (الفل ستوب) الأخير، عذاب في عذاب، واستعذاب في استعذاب.. واستعذاب يستحيل في النهاية إلى تعذيب!
القراءةُ، مثل الكتابة، نوعٌ من العذاب.. والذين يتعاطون القراءة، يتعذبون.. لكنهم- كما الذين يتعاطون الكتابة- يستعذبون هذا العذاب!
هُم- أيضا- مصابون بدرجة من درجات تعذيب الذات.
ما الذي يجبرُ الإثنين- الكاتب والقارئ- على تحمّل كل عذاب الكتابة.. كل عذاب القراءة؟
لا أعرف، برغم أنني أكتبُ وأقرأ..
كل ما أعرفه، أن هذا السؤال أطرحه على نفسي لأول مرة. كل ما أعرفه أنني لو طرحته على مليون قارئ، ومليون كاتب، لجاءت الإجابات متباينة.
الكتابة، مهنة.. وكذا القراءة.. والكسب من مهنة القراءة، متفاوت بين القراء، تفاوت الكسب بين أصحاب المهنة الواحدة، والكسب كله- من بداياته إلى نهاياته- هو من عند الله!
أنت مثلا، ترى هذا نجارا وذلك نجار. ذات المنشار والشواكيش والمسامير، والفارة، وقلم الرصاص على الأذن، والمواعيد المضروبة.. المهارة تكاد تكون واحدة، وكذا الإخلاص في العمل، لكنك ترى هذا، يكسب أكثر من ذاك!
وأنت ترى هذا بقالا وذاك بقال، وفي هذه البقالة ما في تلك. الرائحة واحدة، وطريقة العرض واحدة، والإثنان شاطران، لكنك ترى إقبالا شرائيا على تلك، أكثر بكثير من هذي.. والأمثلة كثيرة.. وفي النهاية ( رزقكم في السماء وما توعدون).
القراءةُ، تطيّبُ النفس. تحسّنُ السلوك. تريحُ الأعصاب، وتزرعُ فيك الصبر، وتمدُ عقلك بنوع من الهمّة، والمروءة، والفهم، والتسامح، والجمال..
لو رأيت إمرئا، فيه هذه الصفات، فلا تنذهل ياصاحبي- إطلاقا- عن حقيقة أنه قارئ، بامتياز.. ولا تستغرب لو دخلت بيته، ووجدت مكتبته تفوحُ بأطايب الكتب!
كتابٌ من وراء كتاب، علّم عقلك أن يلتهم، وأنت مرتاح تماما. التهام الكتب- ياصاحبي- لا يُسبّب البدانة لعقلك، ولا يتعب مصارينه، ولا يزيد فيه نسبة الكولسترول الضار، ولن يصيبه بالخمول، ولا يُعكّر راحته- إذ هو يستريح- ولا يسرق منه الحلم الجميل، وهو في النومة السابعة!
إقرأ، في القراءة رياضة: رياضة عقلية، ونفسية، وروحية، وعصبية.. ورياضة للخيال..
ما أعذب عذاب القراءة..
ما أعذبه من عذاب للعقل، والخيال، والروح، ولحاسة الشوف، واللمس، والذوق، والسمع، والشم.. وللحاسة السابعة!
ما أعذبها وأنت تلمس في تلك الجملة لهيب النار، وتشمُّ في تلك رائحة الحديقة، وتتذوق في غيرهما ريق الحبيبة، وفي جمل أخرى تكاد تلمس الأحياء، والأشياء، لمسا.. وتكاد تسمع الحفيف والهديل والصرير والعواء والنهيق والنباح، والزئير، والثغاء، و..و.. وسوسة العاشقين!
ما أعذب عذاب القراءة،
وما أعذب عذاب الكتابة، إذا أنت تضع نقطة، وتبدأ سطرا جديدا..
ما أعذبها والجُمل- جُملة من وراء جُملة- تكشف عن ساقيها، كما لو أنها ترى الصفحة البيضاء، لُجّة!
ما أعذبها إذ هي تتهادى في مشيتها، تختالُ، تأخذك سطرا سطرا، شولة شولة، (كويتشن مارك.. كويتشن مارك) علامة تعجب، علامة تعجب، نقطة نقطة.. وما أعذبها- وأكثر عذاباتها في الوقت ذاته- حين تهمس لك (باي)، وتتوارى، ليغمر القارئ عطرها، من أول جملة، إلى (الفل ستوب) الأخير!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار