كتاب وأراء

ثقافة الدروع

خلال افتتاح إحدى الفعاليات بواحدة من دول مجلس التعاون قلت لأستاذ جامعي قطري كان يجلس بجانبي بعد أن لمحت تململه وضيقه من الوقت الذي كان يضيع من دون أي حساب في تكريم الشخصيات والمؤسسات التي تقرر تكريمها في ذلك الحفل إنها «ثقافة الدروع» التي تسيطر علينا، فبدا مرتاحا من التعبير وقال إنه صائب ومعبر عن الحالة التي نعيشها الآن ويعاني منها الجمهور الذي يضطر للمتابعة والتصفيق لكل من يتسلم الدرع في حفل افتتاح تلك الفعاليات.

في البلاد العربية إجمالا يتم التكريم بتقديم درع للمكرم، شخصا كان أو مؤسسة، بينما لا يجد الجمهور مفرا من المجاملة بالتصفيق. هذا يحدث منذ سنين طويلة ولا يزال مستمرا وهو ليس خطأ، فالتكريم أمر جميل، يفرح به المكرم ويشعر من قام بتكريمه أنه أدى الواجب عليه تجاهه، والقصد في كل الأحوال من عملية التكريم هو تشجيع الآخرين على أن يكونوا متميزين ومثالا كي يتم الاحتفاء بهم أيضا.

ليس في هذا خلاف، الخلاف هو في التكريم بالدروع، فهذا الأسلوب لم يتغير منذ سنين طويلة، التغير الوحيد الذي حصل كان في التفاصيل، أي في أشكال الدروع وألوانها والمواد المصنوعة منها، لكن الدرع بقي درعا يتم تسليمه للمكرم الذي عليه أن يبتسم لحظة تسلمه له لزوم التصوير.

الجهة الوحيدة التي تستفيد من الدروع هي المحلات التي تصنعها وتبيعها، وهي تروج لها بعبارات من قبيل «الدروع التذكارية بمثابة قطعة فنية تجسد فيها حدث أو مناسبة لهدف إحياء المشاعر الطيبة تجاه ذلك الإنجاز وهي عامل إيجابي في المجتمع وطريقة تعبير لائقة». أصحاب تلك المحلات التجارية يقولون أيضا «إنها من أفضل الهدايا لأنها تقوي الثقة بالنفس وتذكرنا بتحقيق النجاح والاستمرار نحو الأفضل».

في اجتماع بإحدى المؤسسات الصحفية الخليجية كنا نناقش ذات مرة مسألة تكريم بعض الأشخاص والمؤسسات فاقترح أحد الموجودين تقديم دروع للمكرمين، فما كان من صاحب المؤسسة إلا أن قام وفتح باب مخزن في مكتبه وأشار إلى كمية الدروع التي حصلت عليها مؤسسته في فترات سابقة وقال إن هذا هو مآلها، بعضها يوضع في مكتبات زجاجية كديكور والبقية يتم تخزينها وتنسى، وطلب التفكير في أسلوب آخر يؤدي الغرض نفسه ولكن لا يزيد مخازن المكرمين ضيقا.

لا أعرف البديل ولكني مع تكريم من يستحق التكريم لأهميته ومع الإفلات من ثقافة الدروع. طبعا لا يوجد اليوم من لا يتحلطم لو تم تكريمه بدرع ليس معه «ظرف» به شيك أو مبلغ نقدي أو علبة بها ساعة فاخرة أو عدل ذلك هدية، أو كان الدرع مرفقا فقط بشهادة من ورق، فزمن الفرحة بالحصول على الدرع خاليا من كل مرفقات ولى، وكل ما يفعله من يحصل عليه هو أنه يخزنه في مكان ما في بيته أو مكتبه، ثم ينسى الأمر، ولكنه لا ينسى التحلطم بل يستمر فيه.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن