كتاب وأراء

سيــاسات ترامب .. وتأثيرها على نفوذ أميركا في «3» اتجاهات

مع فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب توالت تصريحاته التي أكدت على أولوية مواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي ترزح تحت وطأتها الولايات المتحدة منذ عام 2008، عام تفجر الأزمة، وإعلانه أنه سينتهج سياسات تعيد النظر بالعولمة لحماية الاقتصاد الأميركي المحلي، والحد من الإنفاق العسكري على الوجود الأميركي في الخارج، وتحميل الدول التي تتواجد على أراضيها قوات أميركية، لحمايتها، الأعباء المالية لوجود هذه القوات، كذلك تأكيده أنه لن يلجأ إلى التورط في شن حروب جديدة، ويريد التعاون مع روسيا. ويبدو أن تعيين ريكس تيلرسون وزيراً للخارجية الأميركية مؤشراً قوياً يدعم هذا التوجه لترامب، لأن تيلرسون معروف بأنه تربطه علاقة صداقة مع الرئيس الروسي بوتين.
من هنا تساءل المراقبون عما إذا كانت هذه المواقف والسياسات التي ينوي ترامب انتهاجها ستقود إلى تكريس التراجع التي تشهده قوة وهيبة ونفوذ الولايات المتحدة الأميركية، التي تنبع أولاً وأخيراً من قوتها الاقتصادية.
الواضح أن ما يعلن عنه ترامب ليس جديداً أو مفاجئاً، فهو كان أكثر جرأة من سلفه باراك أوباما في التعبير عن حاجة أميركا إلى اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة من هذا القبيل. فقد سبق أن ظهرت أزمة القوة الأميركية عندما استنجدت أميركا بالدول الاقتصادية العشرين،الأقوى بالعالم، من أجل الاتفاق على عمل جماعي لمواجهة تداعيات انفجار الأزمة عام 2008، ما أشر بأن واشنطن لم يعد بإمكانها مواصلة سياساتها السابقة وأنها ستكون عاجلاً أم آجلاً مضطرة تحت ضغط تنامي الدين العام والعجز في الميزان التجاري إلى اعتماد سياسات تراجعية تقلص من هيمنتها ونفوذها، الأمر الذي يؤدي بالطبع إلى تعزيز مساعي الدول الكبرى الأخرى، مثل الصين وروسيا وباقي مجموعة دول البريكس، وغيرها من الدول المتضررة من سياسات الهيمنة الأميركية، لإسدال الستار على أحادية السيطرة الأميركية على العالم، والعمل على التعجيل بوضع أسس إعادة تشكيل النظام الدولي بحيث يكون تعددياً وتشاركياً ويستند إلى ميثاق الأمم المتحدة.
فأميركا اليوم، مثلما أجبرت، أثر انفجار أزمتها، على القيام بإجراءات اقتصادية تتعارض مع نظامها الرأسمالي، لمواجهة تداعيات الأزمة والسيطرة عليها، عبر تأميم أصول الشركات والمؤسسات المفلسة في الولايات المتحدة، اضطرت إلى اتخاذ قرار التوقف عن شن الحروب المباشرة، وهو ما أكده، على التوالي، كل من الرئيسين أوباما وترامب، بغرض خفض الإنفاق، وتوفير الأموال لمعالجة الأزمة الاقتصادية، وإعادة تحريك عجلة الاقتصاد الأميركي.
كما أن أميركا اضطرت إلى تقليص حجم مساهماتها المادية في المؤسسات الدولية مثل، صندوق النقد والبنك الدوليين، ومؤسسات، وصناديق الأمم المتحدة، وستكون مجبرة على خفض مساعداتها إلى العديد من الدول الموالية لها في العالم، انطلاقا من أن
الأولوية في الدعم والمساعدة يجب أن تكون للاقتصاد والمجتمع الأميركيين، كما أكد ترامب، ولا شك في أن مثل هذه السياسات ستقود حتماً إلى الحد من التأثير الأميركي في ثلاثة اتجاهات أساسية طالما شكلت أساس تربع أميركا على عرش القرار الدولي، وهذه الاتجاهات الثلاثة هي:
الاتجاه الأول: تقلص قدرة الولايات المتحدة على إخضاع الدول المناهضة لسياساتها الاستعمارية في العالم. من المتوقع لا بل من المنتظر أن تزداد الدول التي تتحدى الهيمنة الأميركية. وما حصل مؤخراً من تمرد رئيس الفلبين ضد السياسة الأميركية في بحر الصين الجنوبي وتوجهه نحو الاتفاق مع الصين في مواجهة تدخلات واشنطن لهو مؤشر على هذا الاتجاه الذي ستسير فيه العديد من الدول الطامحة للتحرر من قبضة الهيمنة الأميركية.
الاتجاه الثاني: تراجع قدرة أميركا على التحكم بالقرار الاقتصادي الدولي عبر صندوق النقد والبنك الدوليين. وهذا التراجع ينبع من أمرين:
الأول، خفض المساهمة المالية الأميركية.
والثاني، تزايد المنافسة من قبل صناديق عالمية جديدة أنشأتها دول البريكس وكذلك الصين، والتي تشكل بديلاً للدول النامية للحصول على قروض للتنمية غير مجحفة.
ومثل هذا الاتجاه سوف يؤدي إما إلى تكريس مركزين ماليين على المستوى الدولي، أو يقود إلى إجبار أميركا والدول الغربية على القبول بإعادة النظر بنظام الصندوق والبنك الدوليين بما يلبي مطالب دول البريكس من زاوية الشراكة في صنع القرار الاقتصادي الدولي.
وفي الحالتين ينتج عن ذلك تبدل في موازين القوة الاقتصادية على المستوى الدولي وبالتالي تراجع السيطرة الأميركية الغربية على القرار الاقتصادي العالمي التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
الاتجاه الثالث: تقلص التأثير السياسي في الساحة الدولية. فمن المعروف أن قدرة وهيبة أميركا التي مكنتها من فرض هيمنتها، ودفع دول العالم إلى السير في السياسات والقرارات التي تريد تنفيذها، كانت تنبع من قوتها الاقتصادية والعسكرية. واليوم مع تراجع هذه القوة ضعفت هذه القدرة، ولهذا نشهد نهاية تحكم أميركا بإصدار قرارات مجلس الأمن الدولي.

حسين عطوي