كتاب وأراء

المشهد حاليا أميركا في قلب أزمة قيادة!

الآن– وبعد انتهاء المواجهات الملتهبة في سباق انتخابات الرئاسة الأميركية، إلى فوز ترامب.. فقد أخذت نظرة المتابعين والمحللين والخبراء، والمواطن الأميركي العادي، تنتقل إلى التركيز على المشهد الحالي من زاوية مختلفة، ربما تعبر عنها مقولة البعض من المحللين من: الحقيقة أن أميركا لم تخرج فقط من § معركة انتخابية شرسة، بل إنها كانت بالفعل في قلب أزمة قيادة، يبدو أنها تنتقل من ساحة السباق الانتخابي، إلى داخل البيت الأبيض، مصاحبة للرئيس المنتخب.
هذه الأزمة كشفت عنها عناصر عديدة منها ما أثبتته استطلاعات الرأي، من تضاؤل ثقة الناخبين، ليس فقط في المرشحين المتنافسين، بل أيضا في النخبة السياسية بصفة عامة، التي احتكرت إدارة العملية السياسية في الولايات المتحدة بطريقة استبعدت إلى حد كبير رغبات الرأي العام. وهو ما كان من أسباب صعود ظاهرة ترامب، باعتباره من خارج طبقة النخبة السياسية.
ومنها أيضا الاتهامات المتبادلة بين المرشحين، والتي هبطت باللغة المستخدمة فيها إلى درك لم يسبق أن شهدته انتخابات الرئاسة، والتي وصلت إلى حد تهديد ترامب بإلقاء هيلاري كلينتون في السجن، في حالة فوزه.
وما ذكره عن تزوير المؤسسات الأميركية للانتخابات. وهو اتهام كانت الولايات المتحدة ذاتها هي التي تتهم دولا أخرى بارتكابها، وبأنها حكم ورقيب على طهارة ونزاهة الانتخابات في أي دولة أخرى بعيدا عن حدودها، وفي هذا تشكيك علني بالديمقراطية الأميركية.
وهذا ما أدى إلى طرح الكثير من القواعد المسلم بها في أميركا، للنقاش، مثل جدوى التسليم للنخبة السياسية، بامتلاكها القرار السياسي.
خاصة بعد أن تناول النقاش الدائر معلومات– كان مسكوتا عنها طويلا– عن سطوة قوى الضغط، وجماعات المصالح، على توجهات هذه النخبة. وكذلك التساؤل عما إذا كانت هناك ديمقراطية حقيقية في أميركا، والاستشهاد على ذلك بدور المجمع الانتخابي الذي يمكن أن يجعل من مرشح خاسر شعبيا، فائزا بالرئاسة. وهو ما حدث في انتخابات عام 2000، والتي فاز فيها جورج بوش، بينما كان منافسه آل جور، قد فاز بأعلى الأصوات من الناخبين.
على ضوء هذا وغيره، كان الحديث عن أزمة تنتظر الرئيس المنتخب، تتجسد فيها أزمة قيادة في أميركا.
ولعل بذرة الأزمة كانت قد غرست على يد باراك أوباما، بعد أن أرسى مبدأه للسياسة الخارجية، والذي يدعو إلى تحلل أميركا من التزاماتها ومسؤولياتها التاريخية في العالم، والتي كانت قد أكسبتها وضع القيادة العالمية. فأوباما هو الذي أعلن أن أميركا لم تعد تستطيع حل الأزمات والمشاكل في المناطق الإقليمية في العالم، وأنها تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها. وما ترتب على ذلك عمليا من ممارسات في السياسة الخارجية، يغلب عليها التناقض، ما بين الإصرار على مفهوم الهيمنة على العالم، وبين التراجع عن دورها في دعم وحماية مصالح أصدقائها التقليديين، وفق التزاماتها تجاه أمنهم القومي.
وظهر هذا في تناقضات بين القول والفعل، تجاه دور إيران بالتدخل في شؤون دول عربية، وهو ما اعتبرته الدول العربية بمثابة تهديد لها، على حين اختلفت رؤية أوباما مع هذا التوصيف، واعتبر أن إيران لا تشكل تهديدا لهم.
واللافت للنظر أن التنافس بين المرشحين هيلاري وترامب، لم يتطرق إلى جوهر هذه المشكلة، ولم يحسم أي منهما موقف أميركا مع مفهوم دورها العالمي. وما إذا كان يتفق مع مبدأ أوباما أم يختلف معه. وإذا استمر الغموض وتناقض المواقف بشأن تحديد المبدأ المنظم للسياسة الخارجية، فإن هذا لا يعيد للولايات المتحدة، ولقيادتها السياسية، مصداقيتها التي تراجعت كثيرا في الفترة الأخيرة.
تلحق بهذا تساؤلات بدأت تقتحم ساحة المناقشات، عن مفاهيم تقليدية كانت تحكم السياسة الخارجية، منها مثلا– ما كان يقال من أن أميركا دولة لا غنى عنها INDISPENSABLE NATION. وهل مازالت كذلك في تفكير النخبة السياسية؟. وهل لازالت تعترف بمسؤولياتها العالمية، وإلى أي مدى تكون هذه المسؤوليات في تقديرها؟. وهل كانت التوجهات الدولية في عهد أوباما، مؤشرا على انسحاب الولايات المتحدة من إدارة الأزمات الدولية، والإقليمية، أم أن أميركا تجري عملية موازنة، طبقا لمصالحها، تجاه أطراف هذه الأزمات.
إن الشعوب في أي دولة متقدمة، تتطلع إلى القيادة السياسية التي تختارها، لكي تتبنى سياسة تتعامل مع مستجدات داخلية وخارجية، وتوفق بينها، فهل هيأت الرئاسة الجديدة نفسها، لتعديل خيارات سياسية سابقة، أصبحت تتصادم مع هذه المستجدات، سواء ما كشفت عنها معركة انتخابات الرئاسة الأخيرة من رؤية للرأي العام، ترفض الكثير من قواعد العمل الثابتة، في النظام السياسي الأميركي، ومن تحفظات لدى قوى دولية وإقليمية على مسار السياسة الخارجية الأميركية في الفترة الأخيرة؟.
إن الخروج من أزمة القيادة للرئيس الجديد في الولايات المتحدة، تحسمها إرادة التكيف والتواؤم مع المتغيرات في الداخل والخارج، وليس التشبث بما هو مألوف، ومسلم به، في إدارة سياسة أميركا الخارجية.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري