كتاب وأراء

البنية الدينية لحل الأزمة اليمنية

منذ أن أسستُ مكتب دراسات الشرق الإسلامي في إسطنبول، كان جزء من رسالته أن يسعى بإمكاناته المحدودة لدعم أفكار الإنقاذ ووقف الحروب والفتن في الشرق الإسلامي، ولم يكن الوضع إذ ذاك في ديسمبر 2014، قد وصل لهذا المستوى من الانهيار والتداعي، ونحن نعيش اجتياح حلب والموصل وما سيترب عليه، من كوارث إنسانية وسياسية في المشرق العربي.
وقبل أن أستطرد في هذا المقال أُجيبُ عن سؤالٍ اعتراضٍي مهم، وهو كيف لي أن اقترح مسارات لإطفاء حرائق الشرق، دون الاعتراف بمد الجسور مع الحالة الشيعية المقترنة بهذه الأحداث! وأقول إن قضية الفكر الإسلامي.
لم تكن أبداً منذ خطاب حركة الإحياء الإسلامي، في مواجهة الطائفة الشيعية كطائفة، فهذا غير ممكن لاستقرار المجتمع والأرض العربية، بل والشرق الإسلامي من تركيا إلى باكستان.
إن فكر الحركة الشيعية المدني الإصلاحي منذ العلماء المتقدمين، وأعلام النقد التصحيحي، حتى زمننا الحاضر في شخصيات الإمام مهدي شمس الدين والسيد علي الأمين وغيرهما، هو فكرٌ شريك أساسي قصّر النظام الرسمي العربي كثيراً، في مد الجسور الموضوعية معه من عقود.
مما حوّل غالب كتلة القرار والتفاعل في الطائفة لقرار إيراني بمشروعه الديني القومي، وكرست صناعة مجتمع متشدد، ولم يكن لهذا المشروع معبر لتسوية الأزمات، إنما جسرَ علاقات عامة تحوّله طهران، عند كل منعطف لمصادرة دولة عربية أخرى، وهنا مفصل المقال في حديثنا عن رياح التطرف التي في تقليصه وتحجيمه مدخل الاستقرار للدول المستهدفة.
كان ذلك الطرح ضمن رأي قدمته في زيارتي مطلع الأسبوع لمسقط، وكعادة عُمان كرم ضيافة ومساحة فكر، وروح عربية نستذكر سوياً في سواحلها مدّنا العروبي وترسها الصلب أمام البرتغاليين، وتبشيرها الإسلامي إلى إفريقيا من زنجبار لأقصى ضفاف القارة السمراء، التي وصلها التجار العمانيون، فأرسوا فيها مركزاً للبلاغ الإسلامي دخلته شعوبٌ عبر أخلاقهم ومبادئهم.
وحين حدثني أخي العالم النابه الحافظ الشيخ إسماعيل العوفي، عن كيف حرك وجدانهم مبشر الإسلام العظيم د. السميط، فذكرهم بدور أهل عمان وحكى لهم كيف كان يجد معالم آثار وسمات أهل عمان في أصقاع إفريقيا، ويقول ألا تعيدون يا أهل عمان ذلك المجد، لتصل مجدداً الرسالة الإسلامية، والأخلاق العمانية، لأهل إفريقيا التي احتضنها الإسلام ولم يستعمرها، وأن هذا النبض حرك مشاعر وعزم أهل عمان، أيقنت مجددا بوحدة رسالتنا وهويتنا.
وكان من الطبيعي أن نفكر فيما يؤسس لإنقاذ اليمن كدولة عربية مجاورة شقيقة ولصيقة، فيُساهم الطرح الفكري والديني في تعجيل إطفاء الحرائق، ويوقف الانقسام الديني، رغم أن الحروب تشعل عبر الصراع السياسي، لكن آثارها المدمرة تبقى ولا تزول بسهولة، ولذلك توافق الطرح خاصة في مجلس سماحة الإمام الخليلي، رجل الحكمة الكبير، على ضرورة إنقاذ اليمن من هذا التطرف الشيعي الوافد، كما التطرف الداعشي ليندمج اليمن سياسيا ويهدأ أمنيا، فداعش ستذهب وليس الحل بداعش إيرانية تجتاح اليمن بدلا عنه.
ولا يزال الحلُ ممكناً فحديثنا كان منصباً، على أن المدرسة الزيدية القريبة جداً من المدرسة السنية كما الإباضية، لدى أهلنا في اليمن، كانت ولا تزال جسورها ممتدة ليس مع المدرسة الشافعية اليمنية وحسب، ولكن مع كل المدارس المذهبية المعتدلة، والقضية هنا ليست تقسيمات مذهبية، ولكنها مبادرة بأن يحتضن اليمن كل اليمن بتحرك فكري يوازي التحرك السياسي، الذي اقترحناه في مقال المشترك بين السعودية وعمان في اليمن.
وأعجبتني كلمةً قالها أحد تلاميذ الإمام الخليلي، بأن وقف وصول تطرف الشيعية الطائفية، واحتضان العهد الزيدي بذات فكره واعتداله المعروف هو مهمة اليوم، لعلماء الخليج العربي وخاصة في السعودية وعمان، فتُطفأ الحرب وتُطفأ جذورها في البنية الدينية الحساسة، وأهم أمرٍ أن يبقى اليمن العربي الإسلامي المعتدل، محتضنا من أهله، قبل ان يحوّل مركزا للخرافة كما فُعل في العراق.
إن مثل هذه المبادرة لا بد لها من دعم من أصحاب القرار، في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، فتُطلق المساعي لتكون عمان والسعودية حاضنتي الإنقاذ، وأهل اليمن من علماء ومثقفي المدرستين لا يحتاجون رعاية، بقدر ما هو سكة يمهدها الأشقاء، لتكون جسرا لبناء ما نهدم بينهم، فنردد حامدين الإيمان يماني والحكمة يمانية.

بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل