كتاب وأراء

محنة الجيل

في البلاد العربية ومنها دول الخليج العربي كان الكثير من القصص يسهل تداولها وتصديقها في زمن سابق لم يكن فيه العلم حاضرا إلا لدى فئة محدودة من الناس، لذا كانت تجد من يتلقفها ويعيد نشرها بإيمان ويعتبرها أدلة وبراهين. في تلك الفترة كان من السهل مثلا القول إن القمر عبارة عن قطعة دائرية مثبت عليها أربع عشرة شمعة يشعل الملائكة في كل يوم واحدة منها فنرى القمر يكبر يوما في إثر يوم ويكتمل في ليلة الرابع عشر من الشهر ثم إنهم يبدأون في إطفاء شمعة كل ليلة فيصغر يوما بعد يوم حتى يغيب القمر تماما ليلة التاسع والعشرين من الشهر العربي، وكان سهلا أيضا القول إن سبب غياب القمر ليلتين في نهاية الشهر هو لتنظيفه من آثار الشموع التي سالت عليه!

مثل هذه القصص والتفسيرات لم يعد لها سوق في هذا الزمن الممتلئ بالعلم حتى النخاع، ومع هذا لا يجرؤ الكثيرون على انتقاد كثير من القصص لارتباطها بشخصيات دينية أو بالتاريخ الإسلامي الذي عانى من الكثير من التدخلات، فهذا للأسف خط أحمر ممنوع تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف.

لكن هل يمكن لهذا الأمر أن يستمر؟ هل يمكنه أن يستمر في زمن صار فيه الطفل ذو السنوات الخمس يعرف كيف يستخدم الموبايل ويستخرج منه المعلومات ويوظفه كآلة تصوير وتسجيل وصار عنده «إيميل» خاص به؟ هذه مسألة مهمة ينبغي الالتفات إليها وأخذها في الاعتبار، فمثل هذا الطفل (الجيل) لا يمكنه تصديق كل ما يروى له وكل ما يسمع خصوصا وأن الآخرين يحاججونه ويمكنهم– بسبب التطور– أن يردوا عليه ويفحموه.

ليس الحديث هنا عن الثوابت لأنها قوية ولا يمكن زعزعتها ولكنه عن توفير الدليل على كل ما يحتاج تصديقه إلى دليل بسبب تغير الزمن وتغير الوعي. اليوم لا يمكن حتى للطفل الصغير أن يتقبل تفسير تنامي حجم القمر وتصاغره كالذي تمت الإشارة إليه لأنه ليس تفسيرا علميا ولا يمكن لعقله الذي لم يعد صغيرا أن يصدقه وقد يعتبره نكتة تستدعي الضحك.

هذه دعوة لكل من له علاقة بأمور التربية– ولي أمر كان أو معلما أو رجل دين أو غير هذا- كي ينتبه إلى أن هذا الجيل مختلف كثيرا عن غيره من الأجيال التي سبقته وأنه خلق لزمان غير زماننا وأمامه تحديات أسهلها التشكيك في دينه الإسلامي الذي تم ربطه عنوة بالإرهاب، فمن سيكبر بعد قليل ويعيش كل هذه التحديات لا ينفع معه إلا تهيئته وإعداده بالطريقة التي تجعل منه قادرا على مواجهة مريدي السوء لديننا الإسلامي الحنيف وللوطن.

السؤال الذي يبرز هنا بقوة هو عن مدى مواءمة مناهجنا الدراسية ومدى قدرتها على مواكبة التطورات المتسارعة وما إذا كانت بالفعل يمكن أن تكون بمثابة سلاح يعين مستخدميه على مواجهة الخصوم الكثر الذين «يحبلون» للإسلام ويوظفون كل قدراتهم وعلومهم للإساءة إليه خصوصا بعدما استغله البعض استغلالا خاطئا وفاحشا.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن