كتاب وأراء

دور الشركات العالمية في صنع السياسات العامة في الخليج (2)

وصلني عدد من ردود الأفعال من أصدقاء وطلاب لسياسات العامة على مقالة الأسبوع الماضي التي كانت تحت نفس العنوان مما شجعني على الاستطراد قليلا في هذا الموضوع الذي أعتقد أنه لم يعط حتى الآن الاهتمام الواجب نظرا لخطورته على سياسات واقتصاديات المنطقة بأكملها. لعل من التعليقات الغريبة والمثيرة للدهشة التي تلقيتها تتمحور حول لماذا يتم استقطاب الشركات الاستشارية في الخليج؟
هناك اتفاق ويمكن وصفه بالإجماع تقريبا هو أن الشركات الاستشارية توجد في الخليج في أحيان كثيرة حينما تفشل بعض المؤسسات الكبيرة في توظيف العدد المخطط له من الموظفين.
ومن ثم يظل هناك فائض في الميزانية يستدعى الحاجة لأنفاقه بحسب أراء كبار المسؤولين التنفيذيين الذين كانوا مفروض أن ينفقوا هذه الأموال والتي يخشون من ضياعها عليهم في ميزانيات السنوات المقبلة إذا لم ينفقوها الآن. ومن ثم يتم دعوة هذه الشركات الاستشارية للقيام بدراسات في موضوعات الإجابات عنها واضحة أو معروفة مسبقا، وكان يمكن أن يقوم بها الموظفين العاديين في المؤسسة.
ومن الأسباب الأخرى التي يتم من أجلها استقطاب الشركات الاستشارية العالمية أن تحتاج المؤسسة لطرف ثالث يقدم الإجابات التي تعرفها المؤسسة جيدا للجهة التي تتحكم في توزيع الموارد. أو أن المؤسسة تريد أتباع حل معين لإحدى المشكلات إلى تقابلها من ثم تستقطب الشركة الاستشارية ويتم الاتفاق معها من البداية أننا نريد منكم الدعم أمام الجهات العليا في اتباع هذا الأسلوب أو ذلك النظام في تنفيذ الأعمال.
أما الظاهرة التي تجتاح الخليج الآن هي أن تقوم الشركات الاستشارية بعمل الموظفين العاديين. وسواء في مجال الموارد البشرية أو نظم المعلومات فليس من المستغرب الآن أن تقوم شركات في الهند أو في دبي بعمل موظف الموارد البشرية أو موظف نظم المعلومات. ورغم أن تلك الظاهرة قد تبدو من باب تخفيض النفقات أو لأسباب تتعلق باقتصاديات الحجم الا أن اثارها طويلة المدى لم تدرس حتى الآن وبخاصة تأثيرها على نقل التكنولوجيا والخبرة للعنصر البشرى المحلى. كما أن هذه الظاهرة يمكن أن تنشأ عنها تكاليف كثيرة غير متوقعة نتيجة أن الشركة الاستشارية تحاول تعظيم أرباحها في منظومة مختلفة تماما عن منظومة المؤسسة التي تقدم لها الخدمة. هناك حالات غيرت فيها الشركة الاستشارية المستشار الذي يقدم الخدمة أو أن ذلك المستشار استقال بسبب علاقة العمل الخاصة به والشركة الاستشارية. الذي يتحمل تكلفة هذا التغيير هو العميل أو المؤسسة التي يتم تقديم الخدمة الاستشارية لها. وهناك العديد من المؤسسات التي تعطلت مشاريعها وتحملت تكاليف باهظه نتيجة هذه العلاقة الغير مستقرة والمزدوجة بين الاستشاري وجهة عملة الأولى من جهة (الشركة الاستشارية) والمؤسسة التي يقدم لها الخدمة (العميل في هذه الحالة) من جهة أخرى.
وأخيرا يجب التنويه على أمرين في غاية الأهمية. الأول أن الشركات الاستشارية بحكم تكوينها وطبيعتها وهدفها الربحي تحاول أن تخلق حالة من الاحتياج الدائم لها ومن ثم تكون معظم توصياتها ونتائج دراستها معتمدة في تحقيقها من الناحية العملية على نوعية من الموارد البشرية غير الموجودة بالخليج.
ولذلك تقع الدول التي تقدم لها هذه التوصيات في حلقة مفرغة تظل تعتمد فيها على هذه الشركات. الأمر الأخر ويفهمه جيدا من تعامل مع هذه الشركات في الخارج يتعلق بالتكاليف والرسوم الغير عادية التي تطلبها هذه الشركات الاستشارية حين تعمل في الخليج. يمكن أن نتفهم أن تطلب هذه الشركات عشرة أو خمسة عشرة في المائة زيادة نظرا لتكاليف المعيشة في الخليج ومتوسط الدخل المرتفع أما أن تكون التكاليف خمسة أضعاف وعشرة أضعاف في المتوسط فالأمر يحتاج لوقفة وإعادة نظر وتنسيق بين الجهات الخليجية التي تمثل جانب الطلب على هذه الشركات.
بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي