كتاب وأراء

لمثل هذا يجب أن تسخر الجهود !

قضيت وقتاً لا بأس به خلال هذا العام في قراءة كل ما وقعت عليه يداي من دراسات حول الإنسان الأول الذي يعرف بإنسان «هومو» وهو حسب ما تقول الدراسات العلمية أصل البشر الذي تفرعت منه عدة أجناس لم يبق منها اليوم سوى نوع الإنسان المعاصر المعروف علميًا باسم الإنسان العاقل الحديث.
لست هنا في صدد الحديث عن الخلاصات التي خرجت بها خلال قراءة هذا الموضوع الشائق، بل في وصف المعاناة التي مررت بها خلال قراءة كل هذه الأبحاث باللغة الإنجليزية، حيث إن المتوفر باللغة العربية أقرب ما يكون إلى حبة ملح في بحر عظيم.
بطبيعة الحال فإن المصدر الأهم والأغنى والأكثر مصداقية وربما الأقرب إلى الخلاصات المفهومة لغير المختصين هو موقع ويكيبيديا الشهير الذي يعرض محتوياته مجانا بجميع لغات العالم الرئيسية تقريبا.. وهنا تحديدا تمكن المشكلة!
فاللغة العربية التي يتكلمها نحو نصف مليار شخص حسب موقع ويكيبيديا نفسه تعد من بين اللغات ذات المحتوى العلمي الأكثر فقرا، لدرجة أن العديد من الموضوعات العلمية «المتخصصة» المهمة والتي تعرضها صفحات اللغات الأخرى كالإنجليزية والروسية والصينية في ألف وألفي كلمة أما أنها غير موجودة بالعربية على الإطلاق أو أنها موجودة في عدة أسطر لا تتجاوز في بعض الأحيان 10 أو عشرين كلمة!
الأمر نفسه تكرر خلال مطالعتي – بدافع الفضول لا غير- لآخر الأبحاث العلمية حول الجينات المحفزة لإصابة الإنسان بالسرطان وعرف منها أخيرا جينا أف 12 وأس تي سي2.. فالمذهل حقا أن أي جين جديد يتم تحديده علميا كمساعد على الإصابة بالسرطان تجد معلومات وافرة عنه بمعظم لغات العالم خلال أسبوع من اكتشافه لكن حتما ليس باللغة العربية.
المعلومة الأخرى الصادمة أن أكثر لغتين غير رئيسيتين تترجمان معظم هذه الأبحاث وتضعانها في خدمة قرائها هما اللغتان العبرية والفارسية، فمعظم الأبحاث المنشورة بالإنجليزية تكون منشورة بهاتين اللغتين بإسهاب يشفي غليل الباحثين ما يدل على وجود جهد واضح ومقصود لإتاحة العلوم الحديثة أمام الراغبين في الاستزادة والتعمق.
إن ترجمة الأبحاث والدراسات والمنشورات العملية الحديثة عبر موقع ويكيبيديا هو مطلب ملح وحيوي لتشجيع العلوم، فكم من طبيب أحب الطب لموضوع طبي ممتع شده في صغره وكم من مهندس عشق الهندسة بسبب مقال علمي أجاب عن سؤال طالما حيره.
ترى متى نرى دولة عربية تتبنى هذا الجهد الذي تكفي موازنة برنامج واحد من برامج الواقع لتمويله لمدة عشر سنوات!
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي