كتاب وأراء

الرقص الروسي على أنقاض حلب!

طالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة الجمعة الماضي بأكثرية واسعة بوقف المجزرة في سوريا وصوتت على قرار بـ«وقف كامل لكل الهجمات ضد المدنيين». وفي اليوم التالي التقى وزيرا خارجية روسيا وأميركا سيرغي لافروف وجون كيري في جنيف «من أجل إنقاذ حلب من الدمار الشامل»، بعدما اصبح 85 في المائة من أحياء شرق حلب تحت سيطرة القوات الموالية للنظام السوري.
فماذا تنفع كل هذه القرارات والخطوات المتأخرة جدا طالما أن السيطرة باتت شبه كاملة لموسكو وأتباعها؟ ولماذا أسلوب المراوغة هذا في التلاعب بمصير مئات بل آلاف السوريين المدنيين الأبرياء المحاصرين، طالما أن روسيا هي الآمر الناهي، فهي من يقود العمليات الجوية ويغطي الأرضية منها، ويقرر الخطط والسياسات ويعطي حتى الأوامر الميدانية، كما فعل وزير خارجيتها الذي أعلن هو شخصيا مساء الخميس الماضي وقف ضربات الجيش السوري، ثم عاد وأعلن صباح السبت أن الضربات (الجيش السوري) ستتواصل طالما بقيت «العصابات المسلحة» في حلب. في المقابل، اختفى الكلام عن تحرير الرقة فيما يتقدم تنظيم «داعش» ليعلن مجددا سيطرته على مدينة تدمر بكاملها!
ان السلوك الروسي في الحرب السورية لم يعد يشكل مفاجأة لأحد، لا بل إن الكل بات يعلم أن موسكو هي سيدة اللعبة والميدان في حلب وسوريا، وهي تريد أن تؤكد ذلك لأخصامها كما لحلفائها على السواء. فهي من يفاوض ومن يقرر وقف أطلاق النار، وهي التي تفرض ما تريد من دون أن تقدم أي تنازل في المقابل. وهي من يقود العمليات ويقرر عن قوات «الحرس الثوري» الإيراني وأتباعه «حزب الله» اللبناني وأمثاله من العراقيين والأفغان والباكستانيين الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية دفاعا عن نظام بشار الأسد في حلب وفي غيرها.
هذه هي في الحقيقة الاستراتيجية التي انتهجها فلاديمير بوتين منذ تدخله في سوريا، في نهاية سبتمبر 2015، بهدف إنقاذ النظام أولا، ومن ثم فرض «سوريا المفيدة» وحمايتها والقضاء على المعارضة المسلحة المعتدلة، ثم إطلاق المفاوضات الجدية للتسوية بعد أن تصبح الأطراف الأخرى بموقع العاجز عن المطالبة برحيل الأسد.
وكان التكتيك القضم التدريجي الذي اتبع على مدى سنة كاملة عبر شن الهجمات الجوية والقصف المكثف على جبهات المعارضة ومواقعها بهدف إخضاعها وجرها إلى المفاوضات بشروط موسكو. وهذا ما حصل في «جنيف 2» و«جنيف 3» من دون أن تلتزم بالقرار 2254 الذي ينص على مرحلة حكم انتقالي من دون الأسد. وهذا ما سمح بحصار حلب مرة واثنتين وثلاثا، وتكرار جولات الدمار وتشريد المدنيين. صحيح أنها لم تحصل دائما على ما تريد، ولكنها كانت تنجح في إضعاف المعارضة وتشتيت صفوفها.
غير أن السبب الأهم والأخطر هو أن كل ذلك كان يجرى عمليا بتواطؤ أميركي بعد أن قرر باراك أوباما الانكفاء بعد أن انطلت عليه خدعة بوتين بتسليم الأسد لسلاحه الكيماوي، ثم تذرع بمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» تاركا الساحة والمبادرة بيد «الثعلب الروسي» الذي تحول لاحقا إلى «دب روسي» يسرح ويمرح ويدمر في سوريا وفي المنطقة. والأنكى من ذلك أن واشنطن كانت تعلم أن موسكو تمارس عملية غش إلا أنها لم تحرك ساكنا، لأنها كانت تراهن على غرق بوتين في أوحال المستنقع السوري. إلا أن المخادع الروسي عرف حتى الآن كيف يتحرك بذكاء ويمشي بين حقل الألغام على الأرض، وفي أروقة الدبلوماسية، بعد أن شل الإرهاب «الداعشي» عددا من الدول الأوروبية في شباكه الأقليمية وعقدته الكردية.
إلى متى؟ وهل ستسمح له بالاستمرار سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب التي تجعل من إيران هدفها؟ أما الآن فهو يمارس عملية الرقص فوق دمار حلب الجريحة وأشلاء مدنييها!
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان