كتاب وأراء

الهواء في زجاجات

هل اننا مقبولون على زمن سوف يباع فيه الهواء النقي المخلوط بالاكسوجين في قوارير وزجاجات، لتكون «الشهقة الواحدة» بسعر، والزفير الواحد بدون سعر؟
هذا التساؤل ليس هزرا ولا مزحا أو مبالغة، بل ان هذا المشروع: «الهواء النقي في زجاجات»، وعلى ذمة صحيفة «ذا ساوث شاينا مورننغ بوست» الصينية دخل حيز التنفيذ، اذ بالفعل يضطر الصينيون إلى شراء هواء نظيف مستورد من نيوزلندا، بـ17 سنتا لكل شهيق، لأن بلدهم يعاني من ارتفاع نسبة تلوث الهواء بالدخان والضباب حيث يباع الهواء النظيف المعقم والمليء بالأكسجين والمعبأ يدويا في قوارير حجمها 7.7 لتر بمبلغ 30 دولارا.، وتكفي القارورة الواحدة لإجراء 180 شهيقا، ويعد الهواء القادم من نيوزلندا الأعلى سعرا إذ يباع الهواء الآتي من كندا بما يعادل 16 دولارا مقابل القارورة الواحدة للسكان الذين يحبون التوفير أكثر، أي اننا، مستقبلا، لن نشتري فقط قوارير غاز الطهي، بل قوارير الهواء الذي سوف نستنشقه
وربما يفسر لنا ذلك عشق سياح صينيين واسيويين آخرين لسياحة الصحراء، حيث تتمتع مناطق مترامية على مرمى البصر في الجزائر ومصر وغيرهما، بهواء صحراوي نقي وجميل، بالخصوص في زمن الربيع، وأوقات الحرارة المعتدلة، فالسياح الذين يقصدون هذه المناطق الصحراوية لا يعاينون آثارا، ولا يزورون متاحف ولا يسعدهم معمارا مشرئبا، فقد تركوا كل هذه المفردات الحضارية خلف ظهورهم، ولكن يغبطهم ان يكونوا في بيئة منعشة الهواء، لأن هذا الهواء النقي حرمتهم منه الصناعة الكثيفة، والازدحام السكاني والتلوث البيئي والغازات الصناعية الضارة التي تنفثها مصانع ومعامل غايتها الربح بغض الطرف عن الآثار الصناعية السالبة التي تترتب عليها
الثقافة الشعبية الخليجية، وبالفطرة، سبقت كل ثقافات العالم بهذا الصدد، فمن موروثاتها الجميلة التي لم تتخلى عنها ما يسمى: «التخييم في البر»، والذي يعد سياحة خليجية موسمية ذكية ومحلية بحثا عن الهواء النقي من جهة، وتجديدا لعشق الصحراء من جهة اخرى، فضلا عن عائدها السيكولوجي من جهة ثالثة، حيث فرص تأمل الذات والطبيعة، وحيث الالفة الاسرية التي تلتئم في القديم، عوضا عن الحديث الذي يشتت افرادها، وربما يجعلهم غرباء تحت سقف واحد، فضلا عن أن الهواء النقي المتوفر في صحراء خالية من اية تلوث بيئي يغير المزاج العام للمرء إلى الافضل، ويساعده على المزيد من العمل والاداء الجيد.
وتتمتع ايضا الثقافة الشعبية الاسكانية الخليجية بتفضيل الإسكان الأفقي عن الاسكان الرأسي، فالأخير يصنع ازدحاما، وربما يتسبب في مشاكل بيئية اخرى
وفي اعماق ريف مصر تجد اناسا يرفضون الهجرة إلى المدن، ولا حتى زيارتها، وقال لي احدهم: أموت لو تركت هذا الجو الريفي المليء بالاشجار والحقول، فأنا كالسمك الذي يموت لو غادر ماءه، ولا استطيع العيش في زحام قاهرتكم، فاهنؤوا بها واتركونا في ريفنا الجميل.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي