كتاب وأراء

سوقية القرن الحادي والعشرين ..عن مواجهة التدني في المجال العام

عاش السوقة في كل العصور. منذ القدم والشكوى منهم لا تنقطع. ومع أن السوقة لغوياً ليست بالكلمة المعيبة إلا أنها تحمل في الاستعمال الدارج معاني شديدة سلبية. السوقة في اللغة هم كل من ينساق وراء سائق. وهم بهذا المعنى الرعية وعامة الناس والبسطاء. أما في الاستعمال الشائع فهم الغوغاء وأراذل الناس من الهمج والرعاع الذين يفرضون أنفسهم بوقاحة على الغير وعلى الحيز العام.
لا يملكون كفاءة تبرزهم أو معرفة تميزهم أو خبرة تخصهم ومع هذا لا يرون عيباً لا في أنفسهم ولا فيما يقومون به. وما يقومون به بشع. فهم أهل عيث ونهب واعتداء. يتجرؤون على الحق. يمكن أن يسفكوا الدماء وينهشوا الأعراض ويزيفوا الحقائق ويلطخوا السمعة لأجل أي شيء.
والفارق بين سوقة زمان وسوقة هذا الزمان كبير. سوقة اليوم كثير منهم متعلمون وليسوا كما كان سوقة الأمس أميين. سوقة اليوم دخلوا أيضاً عالم السياسة والإعلام والمال والأعمال ولم تعد بلطجتهم قاصرةً على الأسواق التي يظن كثيرون أن كلمة السوقة أشُتقت منها. سوقة اليوم باتت في أيديهم أدوات لا قبل لسوقة الماضي بها. ينتشرون عبر الإنترنت والفضائيات والصحف. لهم مقاعد برلمانية ويتواجدون في الوزارات والأندية الرياضية والاجتماعية. لقد توسعوا أفقياً ورأسياً. انتشروا أفقياً عبر الجغرافيا فتكونت بلا مبالغة مع العولمة طبقة سوقية كونية تتواجد بتصرفاتها الفجة في السياسة والثقافة والاقتصاد والرياضة. وانتشروا كذلك رأسياً في كثير من البلدان في قطاعات عديدة لم تعد تنجز فيها معاملة أو تجرى فيها عملية إلا بالاستعانة بالفنون التي يتقنها السوقة من الرشوة والابتزاز والمحسوبية والهمجية اللغوية بل والعنف المباشر.
ولم تعد سوقية القرن الحادي والعشرين تهدد العفة في الحيز العام في الدول الفاشلة فقط بل وفي الدول الناجحة أيضاً. لم تعد تقف عند حدود دول الجنوب المستبدة وإنما راحت تشق طريقها إلى دول الشمال الديمقراطية. باتت أصوات السوقة تسمع بوضوح في أركان الأرض الأربعة. وظهور السوقة في الحيز العام في البلدان الديمقراطية أسوأ ألف مرة من انتشارهم في الحيز العام في الدول المستبدة. فالحيز العام في البلدان المستبدة مليء من الأصل بالعيوب وبالسوقة ويستعصي على الإصلاح. أما في الدول الديمقراطية فظهور السوقة بكثرة في الحيز العام إنما يهدد فكرة الديمقراطية ذاتها وينتقص من تاريخ طويل أسهمت في صناعته قوى العقل والاتزان. ويبدو أن أرسطو لم يكن على خطأ عندما حذر بل ورفض نظام الحكم الديمقراطي لأنه يفتح المجال من وجهة نظره أمام حكم السوقة والعوام. ويبدو أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لم يكونوا أيضاً على خطأ عندما اشترطوا فوز المرشح الرئاسي بأصوات أعضاء المجمع الانتخابي وليس فقط بأصوات العامة حتى لا يفسد السوقة الحياة السياسية. وهي مسألة ذكّر بها قبل أيام قليلة «كريستوفر سبرون» أحد الأعضاء الـ538 بالمجمع الانتخابي عبر مقال في جريدة «نيويورك تايمز» أعلن فيه أنه لن يصوت لترامب في التاسع عشر من ديسمبر القادم ودعا باقي أعضاء المجمع لعدم التصويت له وانتخاب جون كاسيتش حاكم ولاية أوهايو بدلاً منه من أجل منع تسرب السوقية إلى الحياة السياسية الأميركية.
لكن السوقية بدأت تتسرب بل وتندفع إلى قلب الأحداث في عدد من الدول الديمقراطية مع وصول قوى شعبوية وقيادات يمينية إلى الحكم يصاحبها ارتفاع ملحوظ في نبرة التيارات الاجتماعية والفكرية والسياسية العنصرية والمتزمتة. ولهذا بات سوقة الغرب يتبارون مع سوقة الشرق. صارت أصواتهم تسمع من خلال قنوات إخبارية تثير الاشمئزاز.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات