كتاب وأراء

عنف الجماهير اللفظي

ثمة صفات لا يمكنك أن تشتريها، لا يمكن أن تذهب إلى محل بقالة، وتطلب منه على سبيل المثال الحصول على بعض «الكاريزما»، أو القبول ونيل إعجاب وحب الجماهير، أو أن تكون أطول قليلاً من طولك الذي أنت عليه الآن، ولكن يمكنك أن تحصل على الصبر والثقة والشجاعة بالممارسة والتمرن والتعلم، صفات شتى يمكنك الحصول عليها بالمثابرة والقسوة بعض الشيء على ذاتك، وعدم تركها على هواها والتغلب على كسل الرغبة في التغيير، أشخاص عدة حولوا تاريخ حياتهم من الصفر إلى القمة، من فقر مدقع إلى غنى، بسبب رغبتهم في الوصول إلى النجاح، وهكذا هي الحياة لا تتوقف، لا يمكن أن يخبو الضوء إلا إذا أردت أنت ذلك.
أذكر دهشتي ذات حين، تلك الدهشة التي لم تختف إلا منذ أيام، وبعد أن أدركت السبب ووصلت إلى الحقيقة، دهشتي التي أعرف جيداً تفاصيلها، حينما التقيت فنانا لا يعد من الصف الأول، لكنه فنان يمتلك شهرة جيدة ولعب أدوارا مختلفة على شاشة التليفزيون، تحدث معي بتجرد واضح واستثنائي أثناء لقائي به في أحد المهرجانات الفنية، حديثه الشيق كان عن كيفية تغلبه على عنف الجماهير اللفظي، وكيف تخلص من النقد الذي يأتي من فئات غير واعية، كنت أظن ما يقوله الفنان مجرد «حكي» لا يقدم ولا يؤخر، فهل من الممكن أن يمتلك المرء القدرة الفذة على تخطي عقبات النقد اللاذعة من جماهير أحياناً مهمتها أحياناً النقد الجارح ليس إلا؟ إلى جانب تهميش ما يقوم به المشاهير من أعمال مختلفة ولا أعني بذلك مجال التمثيل فقط!
حديث الفنان كان ذا شجون، ولكني حينها كنت متفقة على أنها مجرد أفكار، أو مجرد حيل من الفنان للخروج من مأزق النقد الجماهيري، ولكن بعد عام بأكمله من البحث والتقصي من أجل الوصول إلى حقيقة ما قاله الفنان، وجدتني أخرج بذات المنطق الذي حدثني به، وهو الذي عمل لعدد من السنين في مجال التدريس والتعليم، لقد استطعت بعد استماع لمدربين في التنمية البشرية، والدارسين لعلوم الاجتماع والنفس، أن أفهم الفرق بين الجماهير الواعية واللاواعية، فالجمهور الواعي هو الذي ينتقد الفكرة ولا يترك الفكرة وينتقد الشخص ذاته، الأمر ستجده سهل التطبيق لكنه عكس ذلك، سيحتاج منك إلى وقت لكي تؤمن بالفكرة، بقدرتك على التركيز والفصل بين فئات الجمهور الذي لديه مشاكل عدة في حياته، فيجد لذته في جرح من هم أكثر شهرة منه، والنيل منهم ومحاولة زعزعة الثقة بداخلهم، وبين الجمهور الذي يهتم لأصل العمل والفكرة بعيداً عن الشخصنة، وتذكر أنه ما أن ينتقدك أحدهم فعليك أن تفكر طويلاً، بأنك لا تعرف خلفيته الثقافية أو البيئة التي عاش بها، البعض كما قال الدكتور صلاح الراشد، يريد منك أن تتفرغ لإقناعه بصحة معتقداتك وفكرك، وهذا ليس من واجبك، حينما تمتلك قضية تؤمن بها بشكل شخصي، لا يمكن أن تكون مهام أعمالك هو إقناع الرافضين لفكرك بأهمية ما تحمله من روئ، فهو من يقع على عاتقه البحث والتقصي، فإن لم يقتنع بمحتوى فكرك فليس من الضروري أن يكون من ضمن نطاق جماهيرك.
وحتى تصل لمثل هذه القناعات، الصبر على ثقافات المحيطين بك وتقبلهم أو رفضهم، القبول بالنقد وفهم أسبابه، صفات يمكنك أن تحصل عليها فقط بالممارسة والوعي.

بقلم : سارة مطر

سارة مطر