كتاب وأراء

موسكو ومطرقة الاقتصاد!

- 1 -
خمسة أيام قضيتها في العاصمة الروسية موسكو.. هي المرة الأولى التي أزورُ فيها هذه المدينة الغارقة في الثلج.
الثلج في موسكو يسيطر في سبعة أشهر على أنفاس الحياة، وعلى ملامح السكان.
الثلج قاهر المباني والأشجار وجنرال الحروب، وما هزيمة جيش هتلر ومِنْ قبله نابليون ببعيدة.
وحدها نباتات الاسنوكس تُذيب صرامة الثلج بطاقة الرغبة في الحياة، طاقة ناعمة وهامسة.
مررت على تمثال فلاديمير لينين، ولا تزال هامته ناصعة رغم الهزائم وانكسار الفكرة واحتراق الأحلام.
وأنفاس دوستوفسكي تملأ المكان بعطر التاريخ والسرد الماتع (الإخوة كارامازوف) و(الأبله).. دوستوفسكي أروع ثرثار جاد به زمان الروايات العظام.
وأنطونيو تشيخوف في (بستان الكرز) يعصر خمر السخرية على أواني القصة القصيرة، وميخائيل شولوخوف تزفه رواية (الدون الهادئ) إلى جائزة نوبل للآداب.
المعلومة التي كانت جديرة برفع حواجب الدهشة إلى ما فوق مستوى التعجب، أن إزالة الثلوج من الطرقات ونقلها إلى المزارع والأطراف البعيدة تصل إلى ستة مليارات دولار من الميزانية السنوية للدولة الروسية.
نعم، للثلج سطوة حتى على ملامح السكان، إذ تبدو ملامح الروس الموسكيين صارمة ومتجمدة، خالية من التعابير، لا تجد أحد يبتسم في وجهك أو ينتبه لغربتك عن المكان بفارق اللون أو اللسان.
بإمكانك الظن بأن هؤلاء القوم محصنون من المفاجأة والدهشة.
في إحدى زياراتي لمعلم من معالم المدينة، والثلوج تتساقط على رؤوسنا، وتفرض الحذر على خطواتنا، رغم ذلك في لحظة خاطفة وجدت نفسي أسقط على الأرض نسبة لانزلاق ثلجي مفاجئ.
حدث ذلك وسط حضور روسي كبير، ومع ضخامة جسدي النسبية، والطريقة التي سقطت بها، فوجئت بأن الحدث لم يجد أدنى اهتمام من المارة والعابرين، كأن كل إنسان هنالك يغلق نفسه داخل معطفه الشتوي ويجعل ما بينه والآخر حجاب حاجز!
-2-
الشارع الروسي شديد الانضباط والصرامة، كل شيء يُحسب بدقة متناهية، لا يوجد فائض كلمات للمجاملة أو خدمة دون مقابل مادي، حتى عربات الحمل في مولات التسوق لا تستخدم إلا بمقابل!
ربما ذلك نتاج الضائقة المالية التي اشتدت في الفترة الأخيرة بعد العقوبات الأميركية الأوروبية التي صدرت في حق روسيا عقب الأزمة الأوكرانية واحتلال شبه جزيرة القرم.
كان لهذه العقوبات أثر بالغ على العملة الروسية، حيث ارتفع سعر الدولار من 31 إلى 61 روبلاً، ووصل في فترة إلى تجاوزِ الثمانين، ولكنه تراجع إلى حدود الستين بعد إجراءات اتخذتها إدارة بوتين التي تواجه الضائقة الاقتصادية ببث روح القومية الروسية، وشحذ إرادة التحدي باستثارة ماضي دولة الاتحاد السوفياتي العظيم.
من الواضح أن الضائقة المالية في روسيا المرتبطة بالعقوبات وتراجع أسعار النفط لم تصل مرحلة الأزمة رغم بداية تآكل الاحتياطي النقدي الذي يُقدَّر بستمائة مليار دولار.
استطاعت حكومة بوتين- إلى حد كبير– أن لا تكلف المواطن الروسي دفع فواتير مغامراتها الخارجية في أوكرانيا وسوريا، ولكنها قد لا تنجح في استدامة السيطرة على الوضع إلى فترة طويلة، خاصة إذا تطاولت أزمنة مغامرات بوتين الخارجية، واستمر سعر البترول إلى ما دون الخمسين دولاراً.
-3-
أكثر ما كان واضحاً لي في الأيام الخمسة التي قضيتها في روسيا أن السطوة الأمنية تسيطر على كل شيء، بإمكانك ملاحظة ذلك من الطريقة التي ينظر بها الضابط إلى جوازات القادمين، عبر كاشف بصري يوضع على العين ونظرة استكشاف شاملة.
في كل إجراءات الدخول للأماكن الرسمية تتّبع إجراءات مشددة لا تستثني حتى العاملين في تلك المؤسسات ولا الزائرين، بغض النظر عن صفاتهم الاعتبارية.
إيقاع جهاز الدولة الروسية لا يزال متأثراً بإرث بيروقراطية العهد الشيوعي وثقافة (الكي جي بي).
تجد آثار الحقبة الشيوعية في المتاحف وتماثيل الزعماء وشعارات الحزب (المطرقة والمنجل) المنحوتة على حوائط المترو وأسماء الطرقات.
بعض الكبار يحنّون لذلك الماضي الاستاليني، أما أغلب الشباب تجذبهم الثقافة الغربية في الملبس والمأكل والاهتمامات.
أما بوتين فهو في منطقة وسطى بين تاريخه في الـ(كي جي بي)، وتطلّعه لنموذج جديد، عجز عن بلوغه غورباتشوف وضلَّ في طرقاته مترنح الخطى بوريس ايلتسن.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال