كتاب وأراء

سؤال الحسرة «لماذا لا يندمون؟»

«الحمد لله، أنا لا أندم مطلقاً على شيء ولم ألُم نفسي يوماً»
«لو قدر لي بدء حياتي من جديد، لاخترت ذات الحياة، بنفس الخيارات»
سمعنا كثيراً أشباه تلك العبارتين كـ «ستيريو تايب» ممن أدمنوا استخدامهما كحفظة عن ظهر ألسنة دون وضعها على ميزان العقل والقلب لاختبار جدوى الإجابات المعتمدة كردود نموذجية يرددها الببغاوات.
لماذا نتعامل مع الندم كسُبة نتبرأ منها؟
أما من جريرة؟ من ذنب؟ من هفوة؟ من حماقة؟ أما من خطيّة تستدعي التأسف ومراجعة النفس والندم استدراكاً واغتسالاً من أدران السيئات؟
أيدفعنا الكبر للإصرار على التشبث بخيارات خاطئة أهدرت عمراً سدىً؟ أم قد تكون صعوبة شرح الأبعاد التي دفعتنا لتبني خياراً تعساً، تمسكنا به، وبما اننا أكبر من اهدار أوقاتنا في الندم، فنستعيض بإكبار خياراتنا مع إلباسها دثر الإيمان.
والمؤسف أن نفراً يرادفون بين الندم والخيبة حتى أشيع أن عدم الاكتراث سمة الناجحين الذين لا يأبهون بماضي الذي لا طائل منه وهاتك يا مأثورات معضده لسلبيات الالتفات للماضي، على أن القضية تتعلق بالندم على ذنوب لتصحيحها مستقبلاً مع عدم الانكار أن الأخطاء هي أكبر حقل تجارب يحصد منه المفلحون.
عن نفسي، لدي قائمة طويلة من الحسرات يتصدرها الأسف على الذنوب جلها وصغيرها، كيف لم أضبط انفعالاتي هنا؟ وكيف حكمت على فرد لم أعش ظروفه أو على شعب أو طائفة لم اراعي بيئتها؟
كيف خنت قناعاتي بموقف ولم أفّعلها؟ لما لم أعفو عن المهين أو اتجاهله؟ أما لو صمت أو بعدت لكان اتقى.
ثم حسرات على قطع من لعمر اهدرت ولا يستعاض عن ثانية مضت بخزائن الذهب.
ندمت على اخر رسالة كتبتها لوالدي كانت من 27 صفحة ووددت لو تخطت المائة وقد وصلني أنه كان يقرأها على زائريه في مرضه واندم على الهدية لكم وددت لو أثمن وعلى الصدقة لو كانت سراً والمعروف لو كان أخلص.
اما عن وقتي واهداره فهذا ما أعض عليه أصابع الندم، خنصره، بنصره حتى ابهامه، كتب وددت مطالعتها، دراسات تمنيت استكمالها وكنت في صباي اخطط لإعادة قراءة الكتاب مرتين أو يزيد!
أندم على أفكار لم أخطط جدياً لتحقيقها وخواطر لم استلحق تدوينها.
أندم على عدم جديتي في التعامل مع الوقت في العشرينات.
أندم على تسويف الأهداف وتأجيل الأولويات.
أندم حينما أسأل نفسي هل بلغت ما كان يجب عليّ بلوغه لو كنت استمررت في وظيفة تركتها أو دراسة أهملتها؟
أندم على عدم التخطيط لتحقيق ما كان يمكن أن أحققه لكني لا أيس وأبدأ من جديد.
أندم على جهلي بإمكانياتي في صباي لأن التيقن يزرع الثقة في حتمية النجاح.
أندم على انني لم أصبح غيري أي لم أغير نفسي كلياً للأفضل.
أندم على ذاكرة لم أستخدمها الاستخدام الأمثل في عنفوان شبابي.
أندم على قناعات ورثتها من أجداد وتمسكت بها كأبناء دونما غربلتها للتحقق من صحة نسبها للحق.
ان الاعتصار بقطب الندم لا برحى جلد الذات محرض على الإصلاح ودافع للاستغفار ومحفز لتجنب تكرار السقطات كما وجالب لرضى رب العالمين.

داليا الحديدي