كتاب وأراء

ما وراء التأخير بانتظار الحكومة اللبنانية

توقع المراقبون في لبنان، على أثر انتخاب الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية، ومن ثم تكليف الرئيس سعد الحريري بتأليف الحكومة الجديدة، أن تتم عملية تشكيل الحكومة وإعلانها في غضون أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة في أبعد تقدير، انطلاقاً من تقدير بأن الاتفاق بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر سيسهل الأمور وأن الأطراف الأخرى ليس لها مصلحة بإعاقة انطلاقة مسيرة العهد، لاسيما أن هناك حاجة ماسة للتعجيل بولادة الحكومة لإنجاز قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات في موعدها المحدد.
إلاّ أن ما جرى كان معاكساً لهذا التقدير، فعملية التشكيل لاتزال تواجه عقبات تحول دون إعلان تشكيل الحكومة رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الرئيس المكلف اتصالاته ومشاوراته مع الكتل النيابية الأساسية للاتفاق على الحصص والحقائب وفق ما نص عليه اتفاق الطائف بأن تكون الحكومة مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
في المعلومات المعلنة، فإن الأسباب التي قيل إنها تحول دون الإعلان عن تشكيل الحكومة تكمن في الخلاف على الأمور التالية:
الأمر الأول: وجود مشكلة بشأن الحقيبة التي ستعطى إلى تيار المردة الذي يطالب بحقيبة خدماتية (الإشغال، أو الاتصالات، أو الصحة)، وأن رئيس مجلس النواب نبيه بري ربط مشاركة أمل وحزب الله في الحكومة بتلبية طلب الوزير فرنجية، وأبلغ الرئيس المكلف بذلك وقدم له حلاً بأن يعطى تيار المردة حقيبة التربية، وأن تبقى الأشغال من حصة أمل إضافة إلى وزارة المالية، رافضاً إعطاء الأشغال للقوات اللبنانية.. غير أن الرئيس المكلف الذي كان موافقاً في البداية على إعطاء المردة حقيبة التربية تراجع، وعرض بدلاً من ذلك حقيبة الثقافة، وهو أمر رفضه رفضاً مطلقاً رئيس تيار المردة.. الوزير سليمان فرنجية.
الأمر الثاني: عدم الموافقة على تمثيل الحزب القومي، والحزب الديمقراطي اللبناني، والقوى الوطنية في الطائفة السنية، انطلاقاً من أن الرئيس المكلف لا يريد ذلك، كون توزير هذه الأطراف سوف يزيد من الوزن التمثيلي للقوى المعارضة لتيار المستقبل في الحكومة.
الأمر الثالث: وجود اعتقاد بأن الرئيس المكلف يصر على أن تشكل الحكومة من 24 وزيراً بدلاً من ثلاثين، حتى يقطع الطريق على إمكانية توزير الأطراف الوطنية السالفة الذكر، ويضمن الحفاظ على التوازن في الحكومة في مصلحته عند مناقشة الملفات الأساسية موضع الخلاف بين تيار المستقبل وحلفاؤه من جهة، وبين القوى الأخرى المعارضة له من جهة ثانية.
والدليل على وجود خلاف على هذه الأمور اقتراح الرئيس بري في اللقاء الذي جمعه مع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف في القصر الجمهوري، على هامش التهنئة بعيد الاستقلال، بالتكفل بإقناع الوزير فرنجية بحقيبة التربية، وكذلك إعلان رئيس التيار الوطني الوزير جبران باسيل بأن الحكومة حتى ولو كانت من 24 وزيراً فإنها تتسع لتمثيل القومي والمردة والقوى الوطنية في الطائفة السنية.
لكن مثل هذه المشكلات التي تواجه التشكيل ليست هي العقبة الأساسية التي تعترض إتمام الاتفاق على تشكيل الحكومة، ولو كانت فعلاً هذه هي المشكلات فقط لتم تدوير الزوايا وإيجاد حلول لها، إما عبر تأليف الحكومة من 30 وزيراً بحيث تحل مشكلة تمثيل جميع الأطراف المذكورة، أو توزيرها في حكومة من 24 وزيراً، عبر تنازل بعض الأطراف عن جزء من حصتها، كما حصل في مرات سابقة.
لهذا فإن الاعتقاد السائد بأن السبب الفعلي وراء تأخير الإعلان عن تشكيل الحكومة، والتذرع بهذه الأمور المذكورة آنفا، إنما يعود إلى وجود نية مضمرة، لدى الرئيس المكلف تشكيل الحكومة والمتحالفين معه، تستهدف تمرير وإضاعة الوقت لإعاقة مناقشة قانون جديد للانتخابات يطالب أغلبية اللبنانيين بأن يكون على قاعدة التمثيل النسبي الكامل باعتباره السبيل لتصحيح التمثيل والإتيان ببرلمان يعكس تمثيل جميع شرائح المجتمع، وبالتالي إعادة تكوين مؤسسات الحكم بحيث تترجم تطلعات الشعب بالتغيير والإصلاح وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد المستشري في البلاد.
فمن المعروف أن الوقت المتبقي لدعوة الهيئات الناخبة لا يتجاوز الشهر ونصف، وإذا لم يتم تشكيل الحكومة قبل دخول لبنان في عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة فهذا يعني أنه إذا شكلت الحكومة بعد انتهاء عطلة الأعياد فإن الوقت المتبقي لم يعد يسمح بمناقشة وإقرار قانون جديد للانتخاب.. تجري الانتخابات على أساسه.. ما يضع اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: الذي يريده تيار المستقبل ومعه النائب وليد جنبلاط والقوات اللبنانية وغيرهم من القوى.. أن تجري الانتخابات في موعدها على أساس قانون الستين الحالي الذي يوفر لهم فرصة الفوز بنفس المقاعد النيابية التي حصلوا عليها في انتخابات عام 2009، مع احتمال خسارتهم بعض المقاعد من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري يضعف نفوذهم في السلطة التي سيعاد تشكيلها على أساس نتائج الانتخابات.
الخيار الثاني: في حال أصرت القوى الأخرى على رفض إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين، يكون التمديد مجدداً للبرلمان تحت عنوان تقني، لأن الوقت لا يسمح بإقرار قانون جديد والتحضير لإجراء الانتخابات على أساسه.

حسين عطوي