كتاب وأراء

التحول التاريخي الثالث في النظام العالمي

يتفق علماء السياسة – الذين يستلهمون نظرياتهم، من التجارب الواقعية والتحولات في النظام العالمي – على أننا نعيش الآن مرحلة تشييد نظام دولي جديد، لن تكون فيه دول عديدة في العالم مجرد كيانات تحركها قوى كبرى حسبما تريد أو حتى أنها تكون مجرد مراقب، لما تقرره هذه القوى، لأن ما يجرى في المرحلة الراهنة هو ولادة نظام دولي حقيقي، سيكون مختلفا عن الأنظمة التي سبقته تاريخيا.
أحد الذين رصوا التحولات الراهنة بتوسع، المفكر الأميركي – من أصل هندي – فريد زكريا في كتابه «ما بعد العصر الأميركي»، والذي صار مرجعا للكثيرين ممن تابعوا من بعده دراسة التحولات الجارية في العالم، ووضعية أميركا فيها مستقبلا، ويروا أن تغييرات تحدث الآن، وهي مازالت تفتقر إلى الفهم الجيد لها، رغم ما حظيت به من مناقشات كثيرة، ورغم الحديث عن قرب بزوغ عصر جديد، إلا أنه يبدو أن العالم لن يكون كما ألفناه، بل سيكون مختلفا للغاية.
وفي تقدير زكريا – فإن العالم قد مر بثلاثة تحولات في بنية القوى العالمية، خلال الخمسمائة سنة الأخيرة. الأول كان بظهور العالم الغربي، عبر عملية بدأت في القرن الخامس عشر، وتواصلت بشكل سريع في أواخر القرن الثامن عشر. وتوجت بسيطرة سياسة طويلة المدى للدول الغربية.
والتحول الثاني، بدأ مع نهايات القرن الثامن عشر، بظهور الولايات المتحدة والتي راحت تكتسب مقومات تحولها إلى أقوى دولة في العالم، مهيمنة على السياسة، والعلم، والثقافة والاقتصاد العالمي.
ثم كان التحول الثالث في العصر الحديث الذي نعيشه الآن. والذي برزت فيه دول كانت صغيرة خلال العقود الأخيرة، وحققت معدلات غير مسبوقة في النمو الاقتصادي، وبشكل لم يكن متوقعا، وظهر بصورة واضحة في آسيا، لكنه لم يتوقف داخل حدودها الجغرافية، بل امتد إلى دول أخرى في أميركا اللاتينية وإفريقية.
وهذا لا يمنع من ملاحظة أنه رغم ازدهار الرخاء في هذه الدول، إلا أنه لايزال هناك مئات الملايين يعيشون في ظروف الفقر، وإن كانت معدلات دخل الفرد قد بدأت تتحسن تدريجيا، خاصة في دول يسكنها 80% من شعوب العالم، نتيجة تدافع حركة النمو في العالم.
ومن المؤكد أن النمو الاقتصادي على وجه التحديد، هو الذي يمثل قوة الدفع الحقيقية نحو التحول القادم في النظام الدولي.
والظاهر أن إعادة توزيع مواطن القوة بمختلف أبعادها، الصناعية والمالية، والتعليمية، والثقافية، والاجتماعية على دول متعددة، من شأنه أن يخرج هذه الدول من تحت عباءة الهيمنة الأميركية. لأننا نتحرك من إطار ما عرف «بالقرن الأميركي» الذي استمر طويلا، إلى عالم يدار من أماكن متعددة، وبإرادة شعوب متنوعة وهذا هو جوهر التحول القادم.
وبصرف النظر عن هذه النظريات، أو على وجه الخصوص، التوقعات المستندة إلى التحليل السياسي للتجارب الواقعية، فإن هناك دلائل أخرى تشير إلى ما يحرك هذه التحولات، ومن أهمها التخبط الذي لحق بالسياسة الخارجية الأميركية مؤخرا، مما أفقدها قدرتها على الإمساك بزمام التحكم في حركة الأحداث في العالم، وأيضا بسبب عدم قراءة الإدارة الأميركية، القراءة الصحيحة لهذه الأحداث وتداعياتها المستقبلية، بالإضافة إلى انقسام النخبة في أميركا، بين من يتشبثون بعجم تخلى أميركا عن مبدأ الهيمنة على العالم، وبين من بدؤوا يقرؤون العالم وما يجرى فيه قراءة جيدة، وينصحون بتغيير السياسة الخارجية، حتى لا تصطدم بالمسار التاريخي للتحولات، ومنهم هنري كيسنجر الذي قال أنه يتوقع أن تكون أميركا في النظام الدولي القادم، واحدة ضمن مجموعة قوى متساوية.
ولاشك أن استلهام علماء السياسة لنظرياتهم وتوقعاتهم، كان منبعه ما أثبتته تجارب العشرين سنة الماضية، من أن نجاح الدول التي حققت قفزات في التنمية الاقتصادية، قد تبعتها بعد ذلك قفزات في تأكيد مكانتها الإقليمية والدولية، لتصبح مهيأة لتكون شريكا فعليا في إدارة النظام الدولي الجديد.
وهو ما ينطبق عليه معايير التحول الثالث في القوى العالمية، بمعنى أن النمو الاقتصادي، القائم على الإبداع والابتكار التنافسي، هو الآن قاطرة صعود أي دولة، وتأكيد مكانتها ونفوذها في النظام الدولي، الجاري تأسيسه.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري