كتاب وأراء

جون كيري شجاعة في الوقت الضائع

«اليمين الإسرائيلي لا يريد السلام. إنهم يؤمنون بإسرائيل الكبرى. المستوطنات عقبة حقيقية في طريق السلام. ليس هناك جمود في الوضع. الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ». أخيرا تحلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالشجاعة ليصف بهذه العبارات الصادقة مواقف اليمين الحاكم في إسرائيل بشأن عملية السلام مع الفلسطينيين.
أكثر من ذلك قال كيري: «إن إسرائيل لم تنصت إلى تحذيرات واشنطن بشأن توسيع المستوطنات، فالأوضاع في الشرق الأوسط تتقدم في المسار اللاصحيح، بينما إسرائيل تقترب إلى منطقة الخطر».
لكن متى امتلك كيري كل هذه الشجاعة لينتقد إسرائيل وحكومتها؟ فقط قبل 46 يوما من تركه لمنصبه على رأس الدبلوماسية الأميركية.
الأحد الماضي وقف كيري متحدثا طليقا في منتدى بمركز بروكينغز في العاصمة واشنطن، وبدأ يخرج ما قلبه من غضب تجاه حكومة إسرائيل اليمينية، التي أجهضت قبل نحو عامين جهوده لاستئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين.
لم يتجرأ كيري وقتها على لوم الإسرائيليين أو انتقادهم بكلمة واحدة. ظل حذرا حتى بعد إعلان فشل مبادرته، لا بل في بعض الأحيان كان يوبخ الفلسطينيين على ما يصفها بالمواقف المتشددة.
كان شخصا غير مرغوب فيه بإسرائيل، ولا يحظى بأي ود من طرف نتانياهو وحكومته، تماما كم كانت نظرة اليمين الإسرائيلي تجاه رئيسه باراك أوباما. وبالرغم من الفشل الذي تكبدته دبلوماسية كيري، بسبب إسرائيل، إلا انه لم يفتح فمه بكلمة واحدة، أو يحاول هو وإدارته ممارسة أية ضغوط على حكومة نتانياهو لتغيير موقفها.بقى صامتا، حتى قبل رحيله بأسابيع.
وكان في كلمة مرة يتلقى فيها صفعة من حكومة نتانياهو، يخرج لوسائل الإعلام، ليؤكد على أن أمن إسرائيل جزء من أمن الولايات المتحدة.
يعلم كيري أن لا أحد في إسرائيل أو انصارها في واشنطن سيسألونه عن كلامه بعد اليوم؛ فهو منذ إعلام نتائج الانتخابات الرئاسية، أصبح جزءا من الماضي، ولا قيمة تذكر لكلامه وانتقاداته.
وبعد العشرين من يناير المقبل، سيتفرغ كيري لإلقاء المحاضرات، هناك في معاهد أميركا، وهنا في منتديات الشرق الأوسط. سيقول الكثير من الكلام بحق إسرائيل وعملية السلام التي أجهضها اليمين الحاكم.وربما يفكر بكتابة مذكراته، مثل سائر المسؤولين في أميركا، ويفرد فيها فصولا لجولاته الشرق أوسطية، ويسرد بطولاته مع الإسرائيليين، وكيف كان يوبخهم في الاجتماعات المغلقة، وسواه من التفاصيل المثيرة، التي لا قيمة لها سوى في كتب المذكرات.
لكن بماذا تفيد شجاعة كيري التي هبطت عليه مع نهاية عهده في الخارجية؟ لاشيء على الإطلاق. الاستيطان مستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. حكومة نتانياهو ماضية في سياساتها لتهويد القدس، وقتل فرص حل الدولتين. الفلسطينيون من حصار إلى حصار ومن سجن إلى سجن أكبر. وها هو «الكنيست» يصوت على قانون يثبت 54 بؤرة استيطانية، وتحويلها إلى مستوطنات قانونية من وجهة نظر إسرائيل.
الإدارة الأميركية الجديدة، ستكون أكثر تفهما لسلوك نتانياهو وحكومته، ولن تتردد في تقديم كافة أشكال الدعم لها. ليس في وارد إدارة ترامب على ما يقال في الوقت الحالي، إيلاء أي اهتمام بملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وإن فعلت في المستقبل، فالمرجح انها ستمارس المزيد من الضغوط على الفلسطينيين وليس على الإسرائيليين.
الوضع بعد سنوات من الجهود الأميركية «المخلصة» من سيئ إلى أسوأ. والكلام لوزير خارجية أميركا، الذي أمضى قرابة العامين من عمره في الشرق الأوسط. كيري الحكيم والشجاع!

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان