كتاب وأراء

اليقظة ليست بالضرورة نهضة

النهضة RENAISSANCE أساساً مفهوم قائم على ركائز ثلاث أولاها: تغير في البنية الاجتماعية وظهور للطبقة الوسطى وثانيتها: إصلاح ديني. وثالثتها: تطور مادي في البناء والتشكيل والرسم وظهور للمدن.. هذه الترويكا الثلاثية احدثت نوعا من النهضة في الغرب، تغيرا في البنية وتغيرا في التفكير.
تبعه تغير في الانماط السلوكية، نلاحظ هنا ان مفهوم النهضة لا علاقة له بالماضي. النهضة بمعناها نهوض عن الماضي وليست تجليا له أو لإعادته، بمعنى أن مفهوم النهضة ليست له جذور تاريخية عربية. النهضة اساسا مفهوم يرتبط باللحظة إذ هو ليس مفهوما يحيل أي الماضي بأي شكل من الأشكال، ثمة مفاهيم أخرى تحمل إعادة الماضي على انه نهضة بينما هو في الحقيقة إحياء للماضي، ولكن المفهوم الحقيقي والواضح لا علاقة له بالماضي بل إنه قطع مع الماضي بكل اشكاله. يظهر من تعاملنا كمجتمعات مع ما أحدثته الثورات العربية من تغير وإزالة لرؤوس الاستبداد والطغيان أن الذهنية العربية لا تزال عاجزة عن إدراك مفهوم النهضة الحقيقي كفعل مستقبلي لا يأخذ من الماضي إلا ذكراه وتجربته ولكن لا يستورده ولا يستورد شخصياته أو يحاول استنساخها، لذلك كان تعاملنا أو تعامل أصحاب اليقظة بالماضي وبرامجهم تعاملا شموليا مع الاحداث واستبدال نموذج ساقط بنموذج جاهز ومكتمل ولم يعيروا التغيرات التي جرت على مفهوم السلطة ذاته وعلى كثير من المفاهيم السياسية الاخرى أي اهتمام فالسلطة لم تعد الرئيس فقط ليكفي إزالته لتستوي الأمور والحزب لم يعد الحزب ذلك الحزب ذو العقيدة السياسية الجامدة والمجتمع لم يعد مجتمع الإعلام الرسمي كذلك. كل هذه الأمور تغيرت وأصبحت السلطة مجزأة ومقسمة داخل آليات المجتمع جميعها، والأحزاب لم تعد تحمل ايديولوجيا فقط وانما مصالح والمجتمعات لم تعد موجهة وإنما تقود التوجيه. كل هذه الأمور لا يمكن التعامل معها بمفهوم «اليقظة» على أنه «نهضة» ولكي تتحول اليقظة إلى نهضة لابد هنا من القطع مع الماضي كروشتة وعلاج لمشاكل اليوم، الاسم التاريخي للحزب ليس مشكلة المهم أنه يعيش الحاضر ويتبنى آلياته وفكرا تقدميا للنهوض إذا لم تتحول اليقظة إلى نهضة فإنها قد ترتد إلى ذاتها وتصبح عقيدة صلبة كأيديولوجيات العنصرية والعرقية وغيرهما بينما الأديان أساسا لم تكن عقائد صلبة ولكن فهم البعض لها حولها إلى ذلك. اليقظة أساسا وعي بماض تام يتحول إلى نهضة عندما يكون نسقا مفتوحا للتأويل وليس دليلا نصيا أو زيا يعاد لبسه أو تخيله. لذلك مفهوم النهضة ليس مكتملا أو لا يكتمل أنه حالة من الصيرورة والنسق المفتوح، تعامل مكونات المجتمع العربي وأحزابه التقليدية مع احداث ما بعد ثورات لم يكن كذلك سوى جزئية في تونس أما في مصر وليبيا فإن أحزاب اليقظة قد تعيق بل تستولي على النهضة المرتقبة لعدم إدراكها للتغيرات التي حدثت في العالم حول مفهوم السلطة والحكم. النهضة هو ما أحدثه الشباب من ثورات وتغيرات واسقاط للنظم الديكتاتورية ولكن أحزاب اليقظة هي من استلم الزمام لتوقف عملية تشكل النهضة العربية القادمة، عندما تحدث فو كوياما عن نهاية التاريخ بسيادة النموذج اللبيرالي الديمقراطي كان يعني انفتاحه على العصر وعلى التغير بمعنى انه في عملية تغير وصيرورة تاريخية دائمة وهنا تكمن قوته وسيادته، بينما مشاريع أحزاب اليقظة العربية الأيدلوجية والدينية ترفض التحول إلى ذلك وان اصبح بعضها مرنا بعض الشيء لتقبل مكونات المجتمع ودياناته الا أن ثمة انشقاقات هنا وهناك داخل هذه الأحزاب لا تساعد على الاطمئنان وعدم التراجع لصعوبة التعامل مع الفكر ما لم تُحيد الافكار ضمن إطار الدولة المدنية. على كل حال، أود الاشارة مرة أخرى أن الإسلام رسالة عالمية للإنسانية جمعاء، ولكن فهمه سياسيا بمنظور السلطة وسعيا لها قد يجعله يحتمل التفريط للوصول إلى السلطة ومن ثم الافراط بعد توصله واستيلائه عليها. التجربة العملية لفصائل الإسلام «السياسي» تنبئ بذلك في اكثر من مكان في عالمنا العربي والإسلام. أود الإشارة أخيرا أن بداية النهضة كصيرورة قد تمت من خلال الثورات العربية ولكن لكي تكتمل لابد من استمرارها كتجديد لمفهوم السلطة الحديث الذي يقتسم المجتمع بالعرض والطول وليس كجوهر فرداني يسهل حيازته والانفراد به كما هو حاصل اليوم في عالمنا العربي المأزوم.
بقلم: عبدالعزيز محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر