كتاب وأراء

احلم.. ولكن

قبل أن يلفظ والده أنفاسه أوصى والدته قائلا: «دعي الولد يفعل ما يريد حتى لو كانت رغباته من أسخف ما يكون»، ولم تكن هناك أية دلائل توحي بإن هذا الولد سيكون شيئا ما في المستقبل، لذا قررت والدته الفقيرة والتي تعمل غسالة لثياب الآخرين بأجر ضئيل أن يصبح خياطا، لكن الولد رفض ذلك لقد تنبأت له إحدى العرافات بمستقبل كبير وقالت له: سوف تضاء المدينة تكريما لك، ولم يكن هناك ما يدل على صدق هذه النبوءة، فهو ينحدر من أسرة فقيرة في مدينة «أودينز» وهي مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف وتقع في ريف الدنمارك.
تزوجت والدته بعد فترة وتنقل هو من عمل لآخر، وفي سن الرابعة عشرة كسر حصالته وكان بها ثلاثة عشر جنيها وتوجه إلى كوبنهاغن. عمل نجارا ومغنيا وممثلا وفي سن السابعة عشرة قرر أن يثقف نفسه فعاد للدراسة بمساعدة أحد مديري المسارح الذي تعاطف معه. في الثالثة والعشرين كتب عدة روايات لا بأس بها. وكتب أشعارا لقيت بعض الرواج. وكتب مسرحيات فشلت فشلا ذريعا. ولم يفت النقد ولا التجريح ولا موت والدته ولا زواج الفتاة التي أحبها من عضده، بل بدأ يكتب أول رواية طويلة تمت ترجمتها للألمانية ثم عدة مسرحيات ناجحة، ومع ذلك ظل أديبا من الدرجة الثانية، حتى عن له أن يكتب قصصا للأطفال وهو القادر على الدوام على الاستحواذ على قلوبهم أينما كان بحكاياته الشفوية ومرحه وبساطته في الالقاء.. ولما نجحت هذه القصص استغرب إذ لم يكن يظن أن لهذا اللون من الأدب قيمة أدبية. وشجعه هذا النجاح على كتابة المزيد والمزيد وأصبح الناس كبارا وصغارا يتلقفون كتبه. والناشرون يترجمونها إلى جميع لغات العالم. هنا عرف «هانز كريستيان أندرسن» أنه وجد ما كان يبحث عنه. وأنه خلق ليكون كاتب الأطفال الأول. وفيما بعد أصبح رمزا وطنيا. وأقيمت التماثيل لشخصيات قصصه كحورية البحر والبطة السوداء وغيرها في كل ركن من أركان بلده الدنمارك. وحين تجاوز الستين كتب قصة حياته وذكر أنه حين عاد إلى مدينته الصغيرة خرج الجميع لاستقباله وكانت المنازل والميادين مضاءه لأجله. والألعاب النارية تنطلق مرحبة به. حينها بكى.. فلقد تذكر نبوءة العرافة.. وفي السبعين مات «هانز» متأثرا بسرطان الكبد دون أن يتزوج، أو ينجب،ولم يكن بحاجة لذلك. فقد كان كل أطفال العالم أطفاله.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري