كتاب وأراء

مانديلا والإسلام

عظماء التاريخ لا يتناسـخون، قد يشـبه أحدهم الآخر، وقد يتأثر بعضهم ببعض، ولكنهم ليسوا نسـخاً متطابقة.
مانديلا ليس غاندي، وجون كينيدي ليس إبراهام لينكولن، وياسـر عرفات ليس كاسـترو، وجـمال عـبد الناصر ليس سـعد زغلول ولا ماوتسـي تونـغ. حتى في الفـن والأدب والشـعر والثـقافة تبـقى القـاعدة صحيحة، نزار قباني والرحابنة والسـياب وأحمد شـوقي وأم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي والجواهري ونجيب محفوظ وغيرهم أمثلة واضحة.
قيل الكثـير عن كاسـترو الذي رحل قـبل أيام، مدحه كثيرون، وهاجمـه كثيرون، ومن يتـتبع الحركات الثورية في العالم، يجد أن كثيرين حاولوا اسـتنساخ كاسـترو ورفيق دربه غيفارا، واستنساخ التجربة الكوبية، وفشلوا جميعاً، لأن لكل تجربة فرادتها، وسر نجاحها أنها جاءت في الزمن المناسب وفي المكان المناسب، فقدمت الحلول المناسبة.
نلسـون مانديلا الذي تحل اليـوم ذكرى وفاته الثالثة (ولد عام 1918) كان نسـيج وحده، تأثـر بغاندي، لكنه خالفه في مذهب «اللاعنف» واختار مانديلا الكفاح المسلح، تأثر بالثورة الكوبية لكنه لم يتخذ الشيوعية مذهباً، تأثر بجواهر لال نهرو، ولو كان مانديلا في موقع الزعامة في الخمسينات لانضم إلى «عدم الانحياز».
في أحـد الأفـلام التي صنعـت عن مانديـلا، وقـام بدوره باقـتدار الممثـل الأميركي مورغان فريـمان، ينظر قائد فريـق «الرجبي» الأبيض إلى البعــيد، وتسـأله زوجته عـما إذا كان يفكر بمباراة الغد النهـائية، فيجيب بالنفي قائلاً: بل أتساءل: كيف يمكن أن يمضي الرجل 27 عاماً في الزنزانة ويخرج بهذه الروح؟
قيل الكثير عن مانديلا وسيقال أكثر، ولكنني أقول: لو كان مانديلا مطلعاً على تاريخ الإسلام لقلت إنه تأثـر في موقـفين عـلى الأقـل من أهم مواقـف حياته بنبي الإسـلام صلى الـلـه عـليه وسـلم. خـرج من السـجن منتصراً ليجد أن زوجتـه «ويني» التي تزوجهـا عام 1958 خالفت القـوانين، وكان بإمكانه أن يأمر بالعفـو عنها، لكنه تـرك القـضاء يقول كلمته، فحكم عليها بالسـجن سـت سـنوات. في حجة الوداع قال نبي الهدى: يا عباس بن عبد المطلب اعمل، فإني لا أغـني عنـك مـن الـلـه شـيـئاً، يا فـاطمـة بنت محمـد اعـملي، فـإني لا أغـني عـنك من الـلـه شيئا.
انتصر مع شعبه وبشعبه، وكان بإمكانه أن ينتقم من العنصريين البيض، وأن يصادر أموالهم وأملاكهم، ويطردهم من جنوب إفريقيا، كما فعلت دول إفريقية أخرى، ولكنه دعا إلى «أمة قوس قزح» وإلى «الحقيقة والمصالحة»، وأمنهم على حياتهم وأموالهم. بعد الفتح العظيم «فتح مكة» كان يمكن لنبي الإسلام أن ينتقم ممن اضطهدوه وعذبوه وحاولوا قتله وأخرجوه من مكة، أحب بقاع الأرض إلى قلبه، لكنه بعد أن أمنهم سامحهم وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين