كتاب وأراء

ما يستطيع وما لا يستطيع
ترامب أن يفعله

أحد أسباب فوز «دونالد ترامب» بالرئاسة الأميركية الكلام الكبير الذي قاله. ولا غرابة فالعصر كله عصر الكلام الكبير. عصر الوعود البراقة والحديث إلى الناس بكلام يحبوا أن يسمعوه عن عظمة تنتظرهم وقوة تشتاق إليهم وتفوق ينتظرهم ونقاء يخصهم. وقد قال ترامب للأميركيين كلاماً تاقوا لأن يسمعوه. قال لهم أميركا أولاً. ستعود عظيمة كما كانت. لن يأخذ الآسيويين واللاتينيين وظائفكم. سنلغي اتفاقية التجارة الحرة في شمال أميركا وسنقيم سوراً يحول دون تسلل المكسيكيين الذين ينافسوكم في سوق العمل.
سنستبدل الروابط التجارية الجماعية مع دول المحيط الهادئ باتفاقيات ثنائية تراعي مصلحة العامل الأميركي. سنطرد فوراً قرابة أربعة ملايين مقيم غير شرعي. سنقضي على داعش. سنضع المسلمين تحت رقابتنا ولن نسمح لهم بدخول أراضينا. لن نستسلم للشرق الأوسط. سوف نتوسع في إنتاج النفط من أراضينا وسنعود إلى استخراج الفحم النظيف.
من حق أميركا أن تحصل من العراق وحده على تريليون ونصف التريليون دولار نظير الخدمات العسكرية التي قدمتها بل وأن تأخذ نفط العراق لها فللمنتصر تؤول الغنائم. سنجعل أعضاء الناتو يدفعون التكاليف وستكون الحماية الأميركية لكوريا واليابان بسعر أعلى.
وعد ترامب بأشياء كثيرة وقال كلاماً كبيراً أكد أكثر من مرة أنه سيحققه من اليوم الأول. وهو يستطيع بل وعليه أن يحقق بعض ما قاله إرضاء للقاعدة الانتخابية التي وضعته في الحكم. إلا أنه مهما استطاع فلن يحقق كل ما وعد به. فما من مرشح وصل إلى السلطة إلا ووجد أنها تخاصمه. فالوصول إلى السلطة ممكن وقد يكون ميسوراً في بعض الحالات إلا أن السلطة بطبيعتها ليست مطواعة بالذات في دولة بتعقيدات الولايات المتحدة. وترامب خاصمته السلطة حتى قبل أن يبدأ الرئاسة، فقد وجد عقب فوزه ملايين تتظاهر ضده في سابقة لم تعرفها الولايات المتحدة من قبل. وهو ضغط مبكر سيجعله يتردد كثيراً في تنفيذ كل ما وعد به.
ترامب مثل غالبية الساسة ستظهر فجوة بين شعاراته وأفعاله. لا بد له من جهة من أن يجتذب إليه ويهدئ روع بعض من عارضوه. ويتعين عليه من جهة أخرى أن يُرضي ويبقي أنصاره من حوله.
لهذا فالأرجح أن ينتقل وبالتدريج نحو أقرب نقطة ممكنة تناسبه في المنتصف. لن يستطيع أن يفي بكل الوعود التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية. وقد بدأ ذلك يظهر حتى قبل أن يتقلد السلطة رسمياً في العشرين من يناير المقبل.
أعلن أنه لن يطالب بمحاكمة هيلاري كلينتون، واتخذ خطوة إلى الوراء بشأن اتفاقية مكافحة التغير المناخي وبدأ يتحدث عن تعديل لا إلغاء أوباما كير وبدأ يسمع لتقديرات مختلفة من الاستخبارات تخالف تعهده بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران. وخرج رئيس الوزراء الياباني من مقابلته في نيويورك غير منزعج مما كان يسمعه من ترامب خلال الحملة الانتخابية. والأرجح أنه سياتي بمزيد من التحولات كلما مضى الوقت.
لن يستطيع ترامب تخطي آليات الحكم الأميركية. فأميركا ليست مزاج الحاكم وإنما مؤسسات لا يمكن تخطيها وتوازنات لا يمكن تجاهلها. العلاقة مع روسيا على سبيل المثال لا يمكن أن تمضي بالشكل المتناغم الذي عبر عنه ترامب بينما هناك مؤسسات تعتبر روسيا الخصم الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة.
ولو أصر ترامب على تنفيذ كل ما وعد به فسيصطدم بعقبات تفوقه. فهناك أجهزة دولة تختلف حساباتها عن منطق رجال الأعمال. ومجتمع معبئ ما يزال مأخوذاً بصدمة نجاحه وخسارة كلينتون. ومعارضة ديمقراطية لديها فرصة للعودة بسرعة.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات