كتاب وأراء

السودان .. إنذار أم عصيان؟!

مستهل الأسبوع الماضي كانت العاصمة السودانية الخرطوم تقف على أمشاطها في حالة ترقب، تنتظر ما ستسفر عنه الدعوة المحمومة للعصيان المدني، التي انطلقت عبر وسائط التواصل الاجتماعي.
الخرطوم لها تجارب سابقة في الاستجابة لدعوات العصيان المدني ترتّب عليها سقوط أنظمة عسكرية قوية، لم تكن تتوقع أن يجتمع الناس على رفضها!
انطلقت أولى دعوات العصيان المدني السودانية في أكتوبر 1964 عقب تظاهرات قوية انطلقت من جامعة الخرطوم، أهم مركز تعليمي بالسودان، وحينما أطلق النداء شاركت في العصيان كل قطاعات المجتمع السوداني.
عمال وموظفو القطاعين العام والخاص، كما شارك القضاة والأطباء والمعلمون وقطاعات المهنيين كافة، وتوقفت جميع الخدمات الحيوية في الدولة، أظلمت الخرطوم وجفت المياه في الخطوط.
وجدت حكومة الفريق عبود أنها في حالة شلل تام، إذ تعطلت كل خدمات الدولة، وتصاعدت الاحتجاجات، وسقط طالب برصاص الشرطة.
فلم يجد الفريق عبود أمامه من خيار سوى التنحي والتنازل عن الحكم، فأعلن حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسليم الحكم إلى النقابات والهيئات.
تكررت ذات التجربة في أبريل 1985 ضد الرئيس جعفر محمد نميري، تظاهرات متصاعدة ودعوات متعالية بضرورة العصيان المدني، ولم يمضِ وقت طويل حيث تم تنفيذ العصيان بدرجة نجاح شبه كاملة، وتعطلت المرافق الخدمية الحيوية وأُغلق المطار في وجه الرئيس المخلوع.
بعض الناشطين اليوم لا يفرّقون بين الإضراب عن العمل والعصيان المدني.
الإضراب: التوقف عن العمل لأجل معلوم في الغالب، لتحقيق أهداف محددة يستجيب لها ربُّ العمل أو لا يستجيب، إذا كان من الحكومة أو القطاع الخاص.
والعصيان في معناه العام، هو توقف كل القطاعات الحيوية مجتمعة دون تحديد ميقات زمني حتى استجابة السلطة أو سقوطها، ويأتي في العادة مصحوباً بتحركات جماهيرية واحتجاجات.
بكل المقاييس، لا يمكن وصف ما حدث بالخرطوم في الأسبوع الماضي بأنه عصيان مدني شبيه أو مقارب لما حدث في التجربتين السابقتين.
صحيحٌ قلَّتِ الحركة في اليوم الأول، ولكن ظل العمل متواصلاً في كل المرافق الحيوية وغير الحيوية للدولة، لم يتوقف مرفق واحد أو يتأثر بصورة ظاهرة.
حينما خرجت بسيارتي في زمن العمل، للحاق باجتماع صالة التحرير، كان واضحاً بالنسبة لي أن الحركة في الطرقات أقل من المعتاد في أول الأسبوع.
أما أبواب المتاجر والمحلات كانت في أغلبها مشرعة وقليل منها مغلق.
أبرز ملاحظة أوردتها في اليوم الثاني لدعوة العصيان بصحيفة (السوداني) التي أرأس تحريرها، أن الخرطوم انقسمت على نفسها لثلاثة أقسام:
قسم يراقب الأحداث بحذر، ويتخوف من السيناريوهات السيئة، ويتخذ قراره ويحدد موقفه وفقاً لمجريات الأوضاع.
وقسم ثانٍ، خارج دوائر التأثر بدعوات العصيان ويضم الموالين للحكومة والمحايدين تجاهها، لعدم انشغالهم بما يدور في وسائط التواصل أو لضعف انفعالهم بالقضايا العامة.
وقسم ثالث، من الناشطين وفي أغلبهم شباب وبعضهم مُسيَّسون وهم أصحاب صوت إسفيري مرتفع ونشاط محموم.
اتفق أغلب المراقبين والكتاب في الصحافة السودانية على أن الاستجابة النسبية القليلة، والاهتمام الواسع الذي وجدته الدعوة للعصيان في الوسائط الإسفيرية والعامة، كان بمثابة جرس إنذار للحكومة السودانية.
بغض النظر عن نجاح دعوات الاعتصام أو فشلها، فمن واجب الحكومة السودانية الانتباه لتأثيرات قراراتها الاقتصادية على المناخ العام في الدولة.
ومراجعة رصيد جماهيريتها، ومراصد قراءتها لتوجهات الرأي العام، ورفع إحساسها بما يمس المواطنين في مواضع الألم.
جهاز الدولة السودانية في حاجة لمراجعات جذرية وعميقة وجراحات كبيرة للإصلاح والمعالجة.
أمر آخر بالغ الأهمية، وهو أن بإمكان حكومة الرئيس عمر البشير كسب مزيد من المساحات في الشارع السوداني إذا تعاملت مع قضايا الفساد بكل جدية وحسم رادع.
هناك شعور شبه عام في السودان، بوجود متجاوزين وفاسدين، لا يجدون العقاب والردع عبر القنوات الرسمية، بالتجاهل وعدم الجدية أو الحماية تحت غطاء ما أطلق عليه (فقه السترة).

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال