كتاب وأراء

رهط ترامب.. رهط ساندرز


اسمان ظهرا في الانتخابات الأميركية، كلاهما من خارج المؤسسة، وكلاهما ناقد شرس للمؤسسة، وكلاهما لا تريده المؤسسة.
ولكن خرج ساندرز مهزوما من حزبه، في حين انتصر ترامب على حزبه قبل أن يخطف الكرسي ويخلب كل البصائر والأبصار.
أما ساندرز فأضعفه أن رهطه الذين معه كانوا أقلية، غلبت عليهم المثالية والإنسانية والمبادئ الاشتراكية في مرحلة لم تنضج بعد لهذا التحول الضخم في عقلية المجتمع الأميركي الذي ما زال يحمل عقدة ضد اليسار حتى ليظن كل يساري شيوعيا سوفياتيا، ولهذا تمكن الحزب الديمقراطي أن ينسف سنادرز دون خوف من تحرك ثوري من قواعد الحزب الشعبية.
أما ترامب فقد اختار لنفسه خيارا يمينيا يعيد الحياة لأحلام الرجل الأبيض، الذي يرى أنه هو أميركا الجذرية، وقد تبدى للمؤسسة ولكل النخب الثقافية والسياسة أن هذا التيار لم يعد بالقوة الكافية لاكتساح الخيارات، ولهذا تلازمت السخرية والاستصغار لأي فرصة لترامب، ولكن الأيام سارت خطوة خطوة وعلى مدى شهور تلو شهور، وفي كل شهر كان ترامب يقفز من عقبة بعد عقبة حتى وصل للكرسي. وأخطر العقبات كان تقبل الحزب الجمهوري له، مع تجرعات المضض، وقد حاول الحزب أن يفعل كما فعل الديمقراطيون مع ساندرز، ولكن ترامب هدد بأن يؤسس حزبا مستقلا يترشح من خلاله، وقد قال هذا لإحساسه أن لديه كتلة تدعمه ومن ثم تهدد قوة الحزب، وتضع الحزب بين خيارين كلاهما مر، فإما أن ينشق الحزب من داخله وهنا تتوزع الأصوات وسيخسرون الكرسي تبعا، أو أن يتحقق حلم ترامب بحزب ثالث يفوز عبره، وحينها سينتهي الحزب الجمهوري للأبد، وكان رهط ترامب هم سلاحه وقوته التي أرعبت حزبه قبل أن ترعب الآخرين، وجاء ومعه قوة غير متوقعة جعلت اليمين يظهر بأقوى حالاته ويعزز كل معاني الرجعية الثقافية المضادة للتعددية الثقافية، ولكل مكتسبات المعنى الإنساني عما كان يسمى بالحلم الأميركي.
هنا نعرف كيف أن النسقية الثقافية عنصر بشري مرغوب في دواخل النفوس البشرية، يسكت حين يهزم ويخفض رأسه أمام العواصف، ولكنه يعمد للتربص وتحين الفرص، وكلما سنحت واحدة حاول، وإذا هزم كرر وكرر إلى أن يصل.
وصل هذه المرة وكسب الجولة، ولكن جولات التعددية الثقافية متاحة أيضا، وسيتحفز النضال الثقافي، ويدخل في معترك صراع الأنساق، وكما للباطل جولة فإن لكل جولة سطوة تقود إلى معارضة تتحرك مقابلها، وتستثمر هفوات النظام، وإن كان ترامب خارج المؤسسة وعبر هذه البوابة دخل إلى كرسي المؤسسة فإن بوابة الدخول هذه ستفتح أبوابا أخرى تدخل إليه رياحا أخرى، وبما أنه صار هو المؤسسة الآن فإنه يصبح عرضة للهفوات التي تنهك كاهل من هو على الكرسي إلى أن يتبعثر سحره وبريقه.. وهكذا هي جولات الحروب الثقافية والنسقية.
بقلم : عبدالله الغذامي

عبدالله الغذامي