كتاب وأراء

كاميرا لكل مواطن

الناس يتصرفون بشكل أفضل حين يعتقدون أنهم (مراقبون).. لهذا السبب نحسن التصرف حين نرى «كاميرات المراقبة» في أي موقع.. في جميع الدول تعد المولات، وانفاق القطارات، من أكثر المواقع أمانا لانتشار كاميرات المراقبة فيها..
آخر مرة زرت فيها الصين، لاحظت اختفاء رجال الشرطة في شوارع شنغاهاي وبكين.. أبديت هذه الملاحظة لمرافقي الصيني فقال: كل شبر هنا أصبح مراقباً بالكاميرات، ولكن حين يقع حادث، أو مشكلة، تحضر الشرطة في لحظات.. ناسبتني الفكرة كثيرا، لأنني لا أرتاح لمشاهدة رجال الشرطة، والمرور في كل مكان؛ ولكنني في نفس الوقت، أريـد رؤيتهم بـأسرع وقت ممكن، حين أتعرض لمشكلة أو حادث مروري..
لدي استراحة كبيرة تعرضت للسرقة عدة مرات.. لم ننجح في كشف اللصوص، لأنني كنت احضر مع دوريات الشرطة في وقت متأخر.. لم يعتدل الحال إلا بعد تعليق لوحات خارج الاستراحة تفيد بأنها «مراقبة بالكاميرات»..
.. والأمر لا يتعلق فقط بعامل الأمان، والحماية، كون كاميرات المراقبة ترفع أيضا من كفاءة، وأمانة العاملين تحتها.. لوحظ هذا في المصانع، والمتاجر، والمدارس، والمطاعم، بل وحتى السجون ودور الملاحظة. - يحرص كل إنسان على إظهار جانبه الإيجابي والنزيه - رغم أن الكاميرات قد لا تكون مسلطة عليه معظم الوقت..
وأقدم دراسة بهذا الشأن ظهرت في ولاية إلينوي عام 1920، حين نظمت شركة ويسترن الكتريك دراسة لمعرفة تأثير بيئة العمل على عمال المصانع.. بدأت بمصنع يعاني من تدني الإنتاجية، وشكوى العاملين فيه من سوء الإضاءة.. تـم رفع مستوى الإضاءة وبناء جدران زجاجية تسمح بدخول ضوء الشمس، فتحسنت إنتاجية العمال بطريقة غير متوقعة.. غير أن مستوى الإنتاجية عاد للتدني (وسط حيرة الجميع)، حـتى اتضح أن ارتفاع مستواها لم يكن أصلا بسبب تغيير الإضاءة، بـل لأن عمال المصنع كانوا حريصين على العمل بشكل افضل أثـناء وجود الباحثين، والمسؤولين بينهم..
أنا شخصيا لم أكن أعرف هذه القصة حين طالبت بالسماح لرواد المطاعم برؤية «المطبخ»، أو وضعه تحت كاميرات المراقبة.. فحين يكون المطبخ مكشوفا للزبائن، يرتفع تلقائيا مستوى النظافة بين العمال، والأمانة بين الطباخين (وكانت سعادتي كبيرة حين صدر بعدها قرار يلزم المطاعم، بوجود حاجز زجاجي يسمح للزبائن برؤية المطبخ)!!
غير أن المبالغة في استخدام كاميرات المراقبة، يدخلنا في مشكلة اقتحام خصوصية الأفراد والتجسس عليهم.. فتحت ذريعة الأمن، والمتابعة تحولت كثيرا من الدول (بما فيها الديمقراطيات الغربية)، إلى مجتمعات تجسس حقيقية.. واليوم تعـد بريطانيا أكبر مجتمع يتجسس على مواطنيه، لدرجة تملك 20% من كاميرات المراقبة في العالم.. وحتى عام 2015 كانت لـندن أكثر مدينة تراقب سكانها، (حيث يصور المواطن فيها بمعدل 300 مرة في اليوم) قبل أن تتراجع خلف بكين، التي أصبحت تملك في شوارعها 470 ألـف كاميرة مراقبة، مقابل 420 كاميرا للندن..
كل هذا يفرض علينا الموازنة الدائمة بين احترام خصوصية الناس من جهة، ورفع مستوى الأمان والكفاءة من جهة أخرى..
أنا شخصيا وجدت حلاًِ لهذه المشكلة، من خلال (تعليق) لوحات تفيد بوجود كاميرات مراقبة.. ولكن؛ دون وضع كاميرات فعليه داخل الاستراحة!!

بقلم : فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي