كتاب وأراء

نحن والعالم.. نحو مشاركة عربية بدلاً من التفرج

يحتاج الرأي العام العربي إلى أن يتعود على تقلبات الوضع الدولي الصارخة أحيانا أو غير المعتادة أحيانا أخرى، لا أن يجزع وينفعل ويقفز سريعا إلى استنتاجات خاطئة أو غير واقعية تجعله دائما أسير القلق والتوتر والعجز عن الفهم الصحيح لحقيقة المواقف المتناقضة التي تتخذها الأطراف الدولية من حوله ضد بعضها البعض، وبالتبعية العجز عن اتخاذ السياسات العربية الصحيحة التي تجعل المنطقة العربية طرفا فاعلا في إعادة تشكيل الوضع الدولي لا مفعولا به.
ما لا تغفله العين أن عالم اليوم يمر بحالة سيولة غير مسبوقة اختل فيها توازن القوى من ناحية وتوارى القطب الواحد والثنائية القطبية أيضا. وما يجري من تسارع محموم في تبني مواقف وسياسات متناقضة على صعيد المجتمع الدولي بأسره أيا يكن التباين في قدرات أطرافه، ما هو إلا سعي حثيث من الكل لتصويب الخلل في توازن القوى وتشكيل تعدد الأقطاب دون هيمنة من قطب على الآخر. ولكن فلسفة تعدد الأقطاب لا تزال موضع جدل، هل يذهب العالم إلى تعدد أقطاب مغلق أم منفتح؟ هنا تتساوى المؤشرات بين التوجهين؟
وبرغم هذا الجدل، فإن الخبر الجيد هو أن الذين يميلون إلى ترجيح كفة التكتلات المغلقة هم أنفسهم من يستبعدون العودة إلى نمط الحروب العسكرية ولا إلى نمط الحرب الباردة أيضا.
الخيار بين التوجهين ليس محسوما حتى الآن، وما يجري داخل أوروبا وبشأن علاقاتها الخارجية هو نموذج جيد لقراءة وفهم حالة السيولة والغموض والتناقض في المواقف الدولية من حال إلى حال بين لحظة وأخرى. فلم تمض سوى شهور قليلة على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى فاجأ الأميركيون العالم باختيار دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الذي رفع من اللحظة الأولى شعار «أميركا أولا» وعبرت رؤيته عن توجه إلى العزلة تماما. وتجسد القلق الأوروبي في الخوف من امتداد موجة اليمين المتطرف إلى النمسا وهولاندا وفرنسا وربما إيطاليا أيضا، ولذلك وجدنا مظاهر انتخابية لمقاومة هذا التوجه. والمعنى هنا أن الأوروبيين منقسمون في ما يتعلق بالرؤية الجديدة للعالم وكيفية إدارة العلاقات الدولية.
نفس التقدير ينسحب على موقف أوروبا من فوز ترامب. فعلى الرغم مما مثله من إحباط لكثير من الدول الأوروبية إلا أن معظم القادة سواء في ألمانيا أو بريطانيا أو حتى فرنسا التي كانت أكثر جزعا قالوا إنهم قادرون على التفاهم مع الإدارة الجديدة في البيت الأبيض للحفاظ على نفس التوجهات التي كانت سائدة في عهد الإدارة «الديمقراطية».
ولكن ما هو أكثر إثارة هو العلاقة المضطربة حديثا بين أوروبا وتركيا على خلفية الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا حيث تصاعد الخلاف إلى حد تصويت البرلمان الأوروبي على تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وردت أنقرة بأنها يمكن أن تنضم إلى منظمة شنغهاي للتعاون كبديل للاتحاد الأوروبي.
ولكن هناك حقائق لا يمكن إغفالها. فقرار التجميد غير ملزم، وألمانيا مع استمرار الحوار لا التجميد. وأوروبا هي الشريك الخامس لتركيا اقتصاديا والأخيرة عضو حيوي في حلف الناتو ولها ارتباط تاريخي بأوروبا لا يمكن تجاوزه.
ومنظمة شنغهاي التي تأسست عام 2001 قامت بهدف أمن أعضائها ومحاربة الإرهاب وقدرات أعضائها العسكرية لا تؤهلها لمستوى التوازن مع الناتو، وتتزعم المنظمة كل من روسيا والصين وكلتاهما لن تدخل في صراع لا مع أوروبا ولا مع الولايات المتحدة حتى في ظل وجود اليمين المتطرف في السلطة. والمعنى مرة أخرى أن الحدث لا يخرج عن كونه مظهرا من مظاهر عديدة نشهدها لإعادة تشكيل توازن القوى، ولكن الحسم لم يتحقق بعد، ويحتاج لوقت طويل.
السيولة الدولية تتسع والتحركات من كل الأطراف تتزايد وتتنوع لاستعادة توازن دولي مفقود، وما يحتاجه عالمنا العربي هو أن يشارك ويلعب بنفس الأوراق التي يلعب بها الآخرون لا أن يقف متفرجا أو مندهشا أو منزعجا.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد