كتاب وأراء

قضية جدلية: تركيا وألمانيا و«الإبادة» الأرمينية

ما هو الفرق بين «المأساة» و«الإبادة»؟
تركيا تعترف بأن ما تعرض له الأرمن بين عامي 1915 و1917 على أيدي القوات العثمانية يرقى إلى «المأساة». الأرمن يقولون إن ذلك وصل إلى مستوى «الإبادة».
تركيا أسفت لما حدث. الأرمن يريدون أكثر من إعلان الأسف، يريدون الاعتراف بالإبادة.
الأسف يعترف بالمسؤولية الأخلاقية. ولكن لا تترتب عليه أي مسؤولية مادية. أما الاعتراف فانه يفتح الباب واسعاً في القانون الدولي أمام المطالبة بالتعويضات. وعندما يقول الأرمن إن عدد ضحاياهم بلغ المليون شخص، يمكن تصور حجم التعويضات التي قد تترتب على تركيا اليوم إذا هي انتقلت من الاعتراف بالمأساة.. إلى الاعتراف بالإبادة.
يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ضد تهمة الإبادة. إلا أن ما حدث في البرلمان الألماني– البوندستاغ- شكل مفاجأة صاعقة له. ليس لأن البرلمان أقر مبدأ الإبادة بالإجماع، ولكن لأن أعضاء في البرلمان من أصل تركي صوتوا هم أيضاً إلى جانب هذا القرار. بل أن أحدهم «سام أوذدمير»، وهو ابن مهاجر تركي ونائب رئيس حزب الخضر الألماني، كان واحداً ممن قدموا مشروع القرار إلى البرلمان.
عندما وقعت مأساة الأرمن، والتي شملت كذلك جماعات مسيحية أخرى في شرق الأناضول، كانت تركيا ( الامبراطورية العثمانية) متحالفة مع ألمانيا. وقد جرت المجازر على خلفية تفشيل محاولات روسيا تحريض الأقليات العنصرية والدينية في تركيا لإضعاف السلطة المركزية، وتالياً لإضعاف التحالف التركي– الألماني.
ولكن أياً ما تكن الخلفية السياسية والتاريخية، فإن الوقائع تثبت وقوع سلسلة من المجازر التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف– وربما المليون– من الضحايا الأرمن والسريان على خلفية دينية وعنصرية.
وقد اعترفت حتى الآن أكثر من عشرين دولة بالإبادة. وكانت ألمانيا الدولة الواحدة والعشرين. ورداً على ذلك سحبت تركيا سفراءها من هذه الدول بما فيها الفاتيكان. وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، فقرر تمويل مشروع موسيقي فني ( 200 ألف يورو) في مدينة دردسون في ألمانيا لتخليد ذكرى ضحايا الإبادة الأرمينية.
يعرف الاتحاد الأوروبي أن مثل هذه المبادرات تثير ردود فعل حادة في تركيا وخاصة لدى الرئيس أردوغان. ويعرف الاتحاد أيضاً أن الضحية الأولى لذلك قد يكون الاتفاق الأوروبي– التركي حول وقف الهجرة السورية عبر تركيا إلى أوروبا-، والذي تبلغ نفقاته 6.7 مليار دولار، إلا أن دول الاتحاد لا تخفي تراجع ثقتها بالرئيس التركي اثر ارتداده عن بعض الإصلاحات التي تتجاوب مع شروط الانضمام إليه.
ولقد جمد الاتحاد فعلاً العمل بالاتفاق الذي أبرم مع الحكومة التركية السابقة برئاسة أحمد أوغلو والذي أعطى المواطن التركي حق الدخول إلى الدول الأوروبية من دون الحصول على تأشيرة «تشنغن». ونشر الاتحاد استفتاء أوروبياً للرأي يقول إن 79 بالمائة من الأوروبيين لا يثقون بتركيا.
تشكل هذه المواقف السلبية إحراجاً شديداً للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي كانت القوة المعنوية الأساسية وراء الاتفاق الأوروبي– التركي.. ولا يخفف من هذا الإحراج تغيبها عن جلسة تصويت البرلمان الألماني– البوندستاغ- لدى إقرار قانون الاعتراف «بالإبادة» الأرمنية.
من هنا السؤال: كيف سيرد الرئيس أردوغان؟
هل يكشف عن الأوراق السرية المتعلقة بالتعاون التركي– الألماني خلال وقوع «الإبادة»؟
وبالتالي هل يكشف عن دور لألمانيا فيها؟.. وهل يحمّل ألمانيا مسؤولية المشاركة في الإبادة.. وتالياً المشاركة في التعويضات المترتبة عليها. وفي الحسابات الأخيرة هل يمارس سياسة «عليّ وعلى أعدائي».

بقلم : محمد السماك

محمد السماك