كتاب وأراء

هامش الكويت الديمقراطي..عودة أم انتكاسة؟

أُجريت في الكويت في 26 نوفمبر انتخابات مجلس الأمة لعام 2016، التي خاضتها غالبية المعارضة الوطنية بعد قطيعة طويلة ومؤلمة للعلاقات السياسية الاجتماعية بين الدولة والعمل الوطني الدستوري العريق في الكويت، وكان واضحاً أن هناك قدراً من القناعة المشتركة بين الطرفين، بأن حجم هذه القطيعة الذي تطور لقضية إسقاط الجنسية والسجن السياسي، ليس في صالح الكويت التي تأسست شراكتها الشعبية منذ قيامها، وتعززت مع دستور 1962، في عهد الشيخ عبد الله السالم.
وإدراك الطرفين لهذه الحقيقة نقطة تصحيح إيجابية، خاصة أن عزل الكتلة الإصلاحية وحرب الإعلام الشرسة مع الإسلاميين والإصلاحيين الديمقراطيين، أثّر في البنية الاجتماعية الحيوية والمتصالحة في الكويت على الأسس الدستورية، وفتَح الباب إلى تعزيز تحالف مصالح نفعي مع المجموعة الطائفية، المنتمية للخطاب الشيعي المتطرف، والذي تُسيطر أجواؤه على المنطقة، وهو ما يستدعي للضرورة تحييد هذه المساحات السلبية على الكويت، وفتح مجال للعمل الوطني الدستوري المعارض، والتهيئة لمصالحة اجتماعية سياسية، ترد الاعتبار للقيادي الوطني الديمقراطي البارز مسلم البراك.
وتظهر لنا بجلاء دلالات التصويت الشعبي القوي في ثلاث معادلات مهمة، الأولى التأييد القوي لهذه المشاركة وفتح باب العلاقات بين الحكومة وبين المعارضة، المعترف بها تاريخيا كحق دستوري في تاريخ الكويت، الثاني سقوط تيار السلفية التقليدية الذي وقف ضد الإصلاحيين الديمقراطيين والإسلاميين، وفقدانه مقاعده.
ولولا تفرق الصوت الانتخابي لربما ازدادت مقاعد الكتلة الإصلاحية، وهو دلالة على ثقة الناخب الكويتي، وقناعته بضرورات تحقيق توازن في العمل السياسي، يُساهم بتأمين حقه الاقتصادي، وحقه الدستوري السياسي الذي تضرر من تراجعه، وخاصة مع سقف المواجهة السابق الذي تجاوزته الكويت اليوم، فيما يبدو كصيغة توافقية، ستخضع لمواسم اختبار صعبة.
أما الجانب الثالث فهو موج التصويت الوطني الواسع، الذي تحوّل ككتلة قوية استُفزت من التجربة السابقة لاستثمار النفوذ الإيراني المتصاعد لتشكيلة المجلس السابقة، وهذا النفوذ يخوض حربا شرسة ضد شعبي سوريا والعراق ويتدخل في اليمن، ويُشعل الفتنة الطائفية بين أبناء الخليج، فغيّر هذا التصويت حجم التيار الطائفي في البرلمان.
فإذا أضفنا إلى ذلك توبيخه للسلفية التقليدية الرافضة للإصلاحيين، فنحن أمام نموذج قياس مهم للراي العام في الكويت وربما في الخليج العربي، يؤكد أن الشعوب متمسكة بالاعتدال الوطني والإصلاح الدستوري، وبآليات المشاركة الشعبية.
كما أن نجاح الحركة الدستورية الإسلامية، الممثلة لفكر «الإخوان المسلمين» في الكويت، يحمل دلالة لرفض الضمير الشعبي لحملات التكفير المدني والديني لهذا التيار في منطقة الخليج العربي، وإن كانت الحركة قد أجرت إصلاحا ثقافيا، وفتحت مساراً للمشاركة الشبابية، قد تتجاوز بها مستقبلاً أزمة الحزبية الدعوية في الجماعات الإخوانية.
ورفع سقف التوقعات لقدرات برلمان 2016م، ليس موضوعيا، فقواعد اللعبة في الكويت محكومة بسقف محدد للهامش الديمقراطي، ووعد الحكومة في مؤتمر جدة الشعبي خلال الغزو لحكومة منتخبة لا يبدو أنه قريب، في هذه المرحلة.
لكن المهم أن تُدرك الدولة، أن أوضاع المنطقة التي تغلي أسوأ بكثير من مرحلة الغزو، وأن حسم الإيرانيين المرجّح لمعركة الموصل، سيعيد قوة حضورهم في البصرة وجنوب العراق، فضلاً عن تداعيات أخرى.
ولذلك فإن مهمة تحويل الحضور البرلماني إلى شراكة شعبية فعّالة، تقنع الناخب والضمير الوطني الكويتي، بأن هناك إيجابيات حقيقية من عودة المشاركة الشعبية في صالح الدولة والمجتمع، كما أن من الضرورة فتح أبواب الحوارات الثنائية الخاصة غير العلنية، لتسوية الملفات الوطنية وخاصة قضية الجنسيات التي توجع الضمير الوطني.
ولغة الحوارات المباشرة بين الإصلاحيين والحكومة لصالح الملفات الوطنية، هي قيم سياسية معتبرة ومخلصة، لا يُتحرج من خوضها والتواصل عبرها، ليكون برلمان اليوم نافذة جديدة لعودة وطن النهار.

بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل