كتاب وأراء

فن الأحاديث الصحفية

هذا الفن من أمتع الوسائل الصحفية وأظرفها، ولا تتحقق هذه المتعة بنقل الأجوبة حرفيا. وتفريغها على الورق ومن ثم نشرها.. بل يحتاج إلى معرفة، وأسلوب لا يتوفر عند أغلب الصحفيين.. هذا ما كتبه الكاتب الألماني «اميل لودفيج» الذي اشتهر بكتابة سير العظماء، إن أول خطوة في هذا الفن هو إظهار البساطة. والبساطة في الطرح هي التي تدفع مشاهير الناس للبوح. وهم بلا استثناء يؤثرون الصحفي البسيط على الصحفي المتعالي الذي يتشدق بالأسئلة المعقدة الاستعراضية والتي عادة ما تكون أطول من الجواب المنتظر. وذكر الكاتب أمثلة من حياته عندما كان صحفيا مبتدئا أثناء الحرب العالمية الأولى. إذ عهد إليه بإجراء حوارات مع عدد كبير من القادة ورجال السياسة. وكان جاهلا بأمور السياسة. وليس لديه وقت لتثقيف نفسه سياسيا. وحتى يتحاشى افتضاح جهله اضطر إلى طرح أسئلة عادية مراوغة.. نوعا ما. فبدلا من ان يحدد السؤال كان يقول: «لماذا أقدمت على هذه الخطوة أمس؟ وكيف فعلت هذا؟»، ووجد، لدهشته، أن هذه الأسئلة البسيطة تفتح شهية السائل وتثري اللقاء أكثر مما يتصور. ويقول لودفيج ان من واجب الصحفي الإلمام بأخلاق الشخص الذي يريد ان يتحدث إليه بكل الوسائل الممكنة. وهذا ينطبق على كل محاور سواء كان يعمل في صحيفة أو محطة تليفزيونية أو إذاعية. فلا يقنع بطرح السؤال وتلقي الجواب وإنما يصغي بكل كيانه إلى طريقة الحديث والحالة النفسية عند الإفضاء بهذا الحديث والانتباه إلى ما يقال واستنباط أسئلة أجمل من خلال الإجابات. وذكر لودفيج انه قضى عدة أيام يحاور «أديسون» المخترع الشهير. واخذ منه أجمل الحوارات. لم يحدثه عن اختراعاته وإنما عن حياته. ما يحب وما يكره. وأشياء أخرى بسيطة لكنها عميقة. كما يوجه لودفيج نصيحة قيمة لمن يرغب في إجراء حوار مع أصحاب الملايين قائلا: يجب ألا تتطرق للمال عند الحديث معهم بل ادفعهم هم إلى الكلام عنه. لقد صادف أن كنت مدعوا للعشاء مع عشرين شخصا من كبار الأثرياء وأصحاب النفوذ في نيويورك. وكنت الوحيد بينهم الذي لا يملك شيئا. وأردت ان اعرف كيف أصبحوا أثرياء دون ان اظهر بمظهر المتطفل أو الحاسد. فبدأت أحكي عن رحلتي إلى سويسرا وكيف تسلقت الجبل الأبيض بصعوبة. وحين بلغت القمة بعد تعب كبير وجدت الجو باردا والهواء ثقيلا فعجلت بالنزول بحثا عن الدفء. صمت قليلا لأرى تأثير كلامي على النخبة المحيطين بي ثم علقت وكأنني أقول حقيقة: لا بد وأنكم جميعا تشعرون بما شعرت به وأنتم على هذا الارتفاع؟ وساد صمت قصير. وثمانون عينا ترقبني كأني معتوه. ثم بدأ الواحد تلو الآخر يروي كيف تسلق قمة المجد بصعوبة وعناء. لكنهم على عكسي وجدوا الدفء والسماء الصافية والنسيم المنعش. وخرجت أنا بعشرين قصة لأشهر الأسماء في عالم المال والنفوذ.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري