كتاب وأراء

العازف والأوركسترا والمايسترو

احتفـلت فـيروز يوم الإثنين الماضي بعيد ميلادها الحادي والثمانين، واحتفـل معها عشـاق صوتها وأغانيها ويصعب حصرهم، قيل لي: لماذا لم تكتب بهذه المناسبة وأنت من عشاق صوت فـيروز الذين نشـأوا على سـماع أغانيها؟ قلت: لم تكن وسـائل الإعلام والتـواصل الاجتماعي تفتـقد قلماً آخر، فـقد امتلأت حتى غصت بالكلام الجميل، وتسـتحق فيروز هذا التكريـم وأكثـر، ولكنني في زحمـة الكتـابات انتـظرت أن يكتب أحـد عـن المبدعـين الذين ساهموا في صنع أسطورة فيروز، ولم أقرأ إلا شذرات.
إن فـيروز صـوت خـارق وموهـبة قـلّ أن يجـود الزمان بـمثلهـا، وهي الصـوت المـلائكي وسفيرتنا إلى النجوم وعمود سابع من أعمدة بعلبك، ولكنها لم تكن لتبلغ جزءاً صغيـراً مما بلغت، لولا تضافر جهود مجموعة من المبدعين. لم يذكر أحد الشعراء الذين كتبوا لها، أين ذكر جوزيف حرب ومـيشـيل طراد وطلال حيدر؟ ومن شـعراء الفـصحى أين سـعيد عـقل والأخطـل الصغـير ونـزار قبـاني؟ وأين الملحنـون زكي ناصـيف وحليـم الرومي وفيلمون وهبي والياس الرحـباني ومحمد محسن؟ وأهـم من هـذا وذاك أين الأخـوان رحبـاني (عاصي ومنصور) شعراً وتلحيناً وتأليفاً وإخراجاً للمسرحيات؟ والأهم أيضاً أنهما قاما برعايتها منذ كانت صبية صغيرة، ورسما معها ذلك الخط المتصاعد الذي وصلت به إلى ما وصلت، وجاء بعدهما ابنها زياد تأليفاً وتلحيناً.
يذكرني المغني بالعازف المنفرد في الكونشيرتو، صحيح أنه قد يكون معجزة في العزف، لكنه لا يستطيع فعل شيء دون الأوركسترا التي ترافقه، والمايسترو الذي يقودها، وقبل هذا مؤلف الكونشيرتو.
قبل عيد ميلاد فيروز رحل عن هذه الدنيا ممثل بارع جداً هو محمود عبد العزيز، ولو كان في أمريكا لنال الأوسكار، وانشغل الجميع بسرد قصة حياته وإبداعاته وتحليلها، ولم أقرأ كلمة واحدة عن الذين صنعوا تلك الإبداعات. لاينسى أحد مسلسله الرائع «رأفت الهجان» ولكن أحداً لم يذكر مؤلف العمل صالح مرسي ومخرجه يحيى العلمي، حتى واضع الموسيقى التصويرية عمار الشريعي الذي جعل الناس تشتري «الكاسيتات» لتسمع موسيقى الهجان. تحدثوا كثيراً عن إبداع «الساحر» بدور الأعمى في «الكيت كات» الذي أنتج عام 1991 ولم يذكر أحد الروائي إبراهيم أصلان والمخرج داوود عبد السيد، ولم يذكروا المخرج علي عبد الخالق الذي قدم له مجموعة من أفضل أفلامه.
بالمناسبة، تحل بعد يومين الذكرى 110 لميلاد الموسيقار العملاق رياض السنباطي، فهل تتوقعون أن تنشغل الدنيا بذكرى هذا العبقري؟ لقد ملأ السنباطي عالمنا بالجمال الموسيقي والغنائي بصوت أم كلثوم وغيرها، ولو لم يكن له إلا «الأطلال» لكفته مجداً وعظمة، ولكن الإعلام مشغول عنه وأمثاله بأرب آيدول.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين