كتاب وأراء

رجع الصدى

في ظل انعدام الاستقلالية، لم يعد بمقدور الإعلام العربي المبادرة إلى طرح رؤى عامة أو وجهات نظر استراتجيية بعيدة المدى، وانما اقتصر الدور الإعلامي على حالة رد الفعل والاستجابة إلى ما يأتي من تحديات، فإذا هوجمت السياسات العامة سارع الإعلام إلى الدفاع عنها، وإذا تدهورت شعبية الرئيس سارع الإعلام إلى تحسين الصورة، وإذا جاء من الغرب أو الشرق صوت كان إعلامنا هو الصدى.. هذا ما كتبه الاديب المثقف «يوسف زيدان» والذي ذكر واقعة حدثت معه تؤكد هذه المعلومة التي نعرفها جميعا للاسف، فبعد أن أعلنت مؤسسة «جالوب» الأميركية بناء على استطلاع واسع ان المصريين هم أكثر شعوب العالم تدينا انهمكت وسائل الإعلام المصرية في إحداث الصدى المناسب.. واتصلت به عدة قنوات اعلامية طالبة منه التعقيب والتعليق على هذا الخبر، ولما كان يقطن في مكان يبعد عن موقع التصوير في «القاهرة» فقد حاول الاعتذار، فمن غير المعقول أن يقطع مسافة ثماني ساعات في الذهاب والاياب بالسيارة ليشارك في حلقة على الهواء مدتها ساعة وفيها عدة ضيوف سيكون نصيب كل منهم خمس دقائق أو أقل للمشاركة، وحاول إقناع القائمين على العمل بالاكتفاء بمكالمة هاتفية يعرض فيها وجهة نظره، لكنهم رفضوا وألحوا عليه بالحضور شخصيا لأهمية الموضوع المطروح وضرورة تواجد مثقفين لهم ثقلهم في البرنامج للمناقشة والتحليل.. يقول الاديب المثقف «زيدان»: «في منتصف الطريق اتصلوا بي معتذرين مني لأنهم قرروا تأجيل تصوير الحلقة، نظرا لوقوع حادث جلل ومناسبة قومية على درجة قصوى من الأهمية، إذ حصل اللاعب المصري أبو تريكة على جائزة أفضل لاعب في نادِ محلي بإفريقيا، بينما حصل لاعب كرة من ليبيريا على الجائزة الاكبر باعتباره أحسن لاعب في نادِ دولي.. لم أفهم أول الأمر، الصلة بين جائزة ابو تريكة والغاء مناقشة نتيجة الاستطلاع الذي من المفروض أنه مهم! فقالوا إنهم سيخصصون البرنامج كله، ليلتها، للاعب نظرا لأهمية الموضوع وخطورته واهتمام الناس به، تقبلت اعتذارهم مندهشا، وتهيأت للعودة إلى الاسكندرية في منتصف الطريق، كان سائق سيارتي مندهشا من اندهاشي! فقد فهم موقفهم من الوهلة الاولى، وأيد «ما قرروه، سألته مستنكرا: كيف يجوز هذا الالغاء في آخر لحظة؟ فقال بالعامية: إيه يا دكتور ده أبو تريكة!! كانت فكرتي عن «ابو تريكة» انه لاعب جيد، ومهذب جدا في تصرفاته بالملعب، ويحرز أهدافا جميلة، ولكن لم تكن لدي فكرة عن أنه في بلادنا أهم من مصيرها، ومن اتجاهات أهلها، ومن النتائج العالمية الدالة على أن «العقل الجمعي في خطر.. يومها في المساء، عرفت من أحد الاصدقاء انه يتم اتخاذ الترتيبات لاستضافة ابو تريكة في الاحتفال بعيد العلوم. إذن، للعلوم في بلدنا عيد، وفرحة العيد العلمي سوف تكتمل عند أهلنا إذا ما شارك فيها أبو تريكة، سألت صاحبي: هل لأبو تريكة إنجاز علمي لا أعرفه؟ فقال ما معناه أن إنجازه الكروي يحجب أي انجاز آخر، علميا كان أو غير علمي... انتهى الكلام.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري