كتاب وأراء

صورة الفنان وأسنانَي الأرنب

شعر أحد الفنانين العرب بالغضب والحنق، حينما تم تداول صورة قديمة لهُ، تظهره بمظهر غير جيد أو ملائم بالنسبة طبعاً لهيئته الحالية، وخاصة بعد نجاح زراعة شعر رأسه. نجاح الفنان الشاب والذي لم يأت خلسة، وإنما بعد مشوار طويل حافل بالمصاعب، والحق يقال إن القمة كانت في انتظار وصوله، وقد استحق فعلاً هذا النجاح الكبير المبهر. لا أزال استمع إلى أغنياته حينما أكون في مزاج سيئ؛ تبهجني تلك الروح المؤثرة التي تظهر في أغنياته، شقاوته اللذيذة، وذكاؤه في اختيار ألحان أغانيه، وأتذكر جيداً قبل بضع سنوات أنني قرأت لهُ حواراً، يطلب فيه من المنتج أن يدعمه كما دعم زميلته شيرين عبدالوهاب، في حين أن المنتج لم يكن مهتماً به أو حتى بإعطائه الفرصة الحقيقية، فقد كان مبتهجاً بالكنز الذي حصل عليه، وبالتأكيد الكنز ما هو إلا شيرين صاحبة أعذب حنجرة في عصرنا الحالي.
كان الأجدر به ألا يتفاعل بشكل كبير مع الصورة، بل لو تجاهلها وتغافل التعليقات المسيئة إليه بصمت، أو رد ساخر مقتضب، لما نال منه الحاقدون والحاسدون على الأرض، ولكن الفنان يبدو أنه شديد الحساسية كما هي عادة المبدعين، فقام عدد من زملائه بالتعزيز لهُ من خلال نشر تعليقات تسانده عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو أن الفنان أيضاً غير مهتم بإلقاء نظرة واحدة فقط، على حسابات المهتمين بالفنانين والفنانات في خليجنا عبر برنامج «إنستغرام»، ليجد كيف يتحول أصحاب هذه الحسابات إلى جواسيس ومتحرين أقرب لشخصية «شارلك هولمز»، حيث ان مهمتهم في الحياة كلها، تقوم على نشر صور الفنانين والفنانات وإظهار التغيرات في تضاريس الوجه والجسم، حتى باتت الفنانات يشعرن بأن هذه الجماهير، لم تعد تصفق لما يقدمنه من أعمال أو برامج فنية، وإنما مهمة هذه الجماهير متابعة الاختلافات في أنف الفنان قبل وبعد، وإحصاء إبر البوتكس والفيلر في جبهة أحداهن، الجماهير في الخليج لم تكتف بذلك حتى، ولكنها تعدت نجومية المحقق كونان في كشف الجرائم بسرعة فائقة، فستجد أن لديهم القدرة على معرفة إذا ما كانت حقيبة الفنانة التي تحملها تقليد درجة أولى أم أصلية، أو هل الفنانة حامل أم لا، حتى قبل أن تعلن الخبر!
والمؤسف ما يحدث في برامجنا العربية التي بدأت في السقوط والانحدار من دون وعي، حيث يقوم عدد كبير من البرامج على استضافة الفنانين والإعلاميين والفاشينستات، وحديث الحلقة يدور عن عدد العمليات التي قام بها الضيف، وإذا لم يجب الضيف بإجابة يمكن لها أن «تولع» الحلقة، يقوم المذيع أو المذيعة بإظهار صور قديمة للضيف، ووضعه في مصيدة لا يستطيع الفرار منها.
في الحقيقة التغيير سنة الحياة، وحينما يرغب أي شخص سواءً كان شخصاً عادياً أو ممن تسلط عليهم الأضواء، في محاولة منه للتغيير، فهذا أمر لا يعود لنا، بل أنه يدخل ضمن مفهوم «الحرية الشخصية»، تلك التي لا يعيها جيل هذا الوقت، وزعل الفنان الشاب لم يكن في محله، فمن وجهة نظري أننا جميعاً ومن دون وجود استثناءات، تحفل خزائننا القديمة بصور توثق مراحل طفولتنا وبلوغنا، ما زلت أتذكر أسناني الضخمة وأنا في عمر السادسة والفستان الأزرق، يا إلهي ما أبشع هذه الصورة، إذ لم يكن ينقصني سوى أن أمسك بجزرة وأتحول بالفعل إلى «أرنوبة»، والحقيقة التي لربما يجهلها الفنان الحساس، أننا في عرف عائلتنا إذا ذهبنا إلى القرية، لابد أن يتبرع أحد الأفراد ويقتص من وقته الثمين، ليأتي بالبراجكتور ويفتح القطعة المطوية لتتحول إلى شاشة سينما، وتبدأ الحفلة باستعراض هيئاتنا وأشكالنا حينما كنا صغاراً ومراهقين، وكنا نضحك لحد الموت من فرط بشاعة صورنا، ونلقي اللوم طبعاً على أهالينا الذين لم يكونوا من متابعي الفاشن والموضة في ذلك الحين رغم أنهم كثيرو السفر، هذا الاجتماع الأسري يأتي بين حين وآخر، وفي كل مرة نشاهد شاشة السينما وهي تشرع أمامنا حياتنا القديمة نغطس أكثر في الضحك، بل أننا نظل لأيام نضحك على ما شاهدناه، وهو ما يحدث هنا وهناك في أقصى الشرق وجنوبه وغربه، الأمر جداً طبيعي، والأمر لا يستحق أن يكون مؤذياً بشكل نفسي، ولا أن تكون مجرد صورة قديمة قد تكون سبباً في ذبول مشاعر الفنان الموهوب جداً.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر