كتاب وأراء

درس تعلمته

تعلمت من حماي القدير- رحمه الله- الإصغاء للمستنطقات، فقد روي لي أنه حاول يوماً الخروج لقضاء حاجة ضرورية له، فوجد باب المنزل لا ينفتح، فحاول ثانية وعاشرة والباب مغلق أمامه، فتسلق وخرج من النافذة، ليتعرض لحادث سير بالسيارة، فحدثته نفسه أنه آهٍ لو انتبه للإشارة.
وقلّ من الناس من لديه رؤية تمكنه من التبصر لأبعد من يومه ومنهم من لا يتعدى نظره حذاءه.
وكم من سيدة تمسكت بالمناكدة مع تعس الشريك وبئس العشير في علاقة غير جديرة بالاستمرارية، مارس فيها الزوج جريمة النكد التي لا يعاقب عليها القانون خشية تداعيات الانفصال واللقب وما أن يحدث الشقاق بالطلاق حتى يغني الله كلاً من سعته ويوفق الجميع لحياة أفضل. فتشرع الواحدة منهن في التفكير في ما ضيعت من زهرة عمرها وربيعه بالتعامي عن إشارات كانت جد جلية لو ما انتبهت لها.
وكم من رجال أصيبوا بكبوات في أعمالهم لضلوعهم في شراكة مع أشخاص تسببوا في الإضرار مصالحهم ولو كانوا التفتوا لبعض مما أرسل لهم من تلك المستنطقات لكانوا أبعد الناس عنهم. وحتى تلك الخسائر قل منهم من تمرن على قراءة مضمون نص القدر، فكم من نجاحات في الفشل الذي يغربل علاقاتنا مع البشر ويرينا من يهتم بنا وبهمومنا ومن لا يعبأ إلا أن يكون مصفقاً في جوقة الناجحين والأثرياء.
كم أم فقهت أنه لربما منحت ابنة قليلة الحظ من الجمال ما يبعد عن غاليتها الطامعين في المظاهر؟
وكم أب كان ممتناً على الحادث الذي تعرض له ابنه فكان نتيجته أن فسخت خطيبة الابن العلاقة لكونها تريد الزواج من جهاز خالٍ من أي عطب ولو مؤقتاً.
وكم من أبناء كانوا سعداء لأنهم لم يجدوا مشترياً لأرض ورثوها، وبمرور السنوات تدخل الأرض تنظيم المباني لتتضاعف قيمتها عشرات المرات.
وقد ورد عن د. مصطفى محمود أنه مرض أثناء دراسته للطب مرضاً أقعده في الفراش لثلاثة أعوام لم يفعل فيها شيئاً سوى قراءة الأدب العالمي ففتحت أفاقه على عالم الفكر والفلسفة، فهجر الطب وكسب العالم العربي مفكراً بدرجة امتياز.
وكان صمم بيتهوفن في النصف الأخير من حياته علامة مروجة لعبقريته الفنية عمن سواه ليقال رغم صممه فقد استمر يؤلف ويبدع.
وعدم استكمال العقاد لتعليمه النظامي كان أيضاً علامة استنطقت انبهار العامة والخاصة لإمكانيات وموهبة رجل استطاع قراءة زهاء 70 ألف كتاب جعلته لا يناطح كبار العلماء فحسب، بل مكنته من الجلوس في صفوف الأساتذة المانحين لشهادة الدكتوراه للباحثين.
والمشكل في المستنطقات أنها عرضة لـتأويلات الهوى عوضاً عن الحق، فبينما يفضل أن يظل المعنى كامناً كخبيئة، لكن للأسف ترى من يستخدمه للإيحاء بأنه منبأ ومكشوف عنه رغم أن تلك المستنطقات ترسل للبر والفاجر على حدٍ سواء، لكنها عرضة للمبالغات والتهويل وقد تمنح من يستغلها شهادة براءة من الكسل وعدم الإصرار؛ فالعربي قدري بطبعه لو أخفق، وفردي النزعة لو أصاب ونجح، تنبهر بقبوله لكون الموت على أرضه أكثر وفرة من الحياة، وتتعجب لمجاهرته بتحجيم قدراته، بينما يتبجح بإشهار أنيابه على أهل داره، فلا يعول كثيراً على قيمه لو وجدت، ويحق فيه قول الشاعر:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي