كتاب وأراء

مـا الفــرق بين الصحفي والمؤرخ؟

لا جدال أن المفكر والمؤرخ عبدالله العروي يعد من أبرز المفكرين في المغرب والمنطقة.
يحاول كثيرون من داخل المغرب وخارجه ترتيب لقاء مع عبدالله العروي، لكن غالباً ما يتعذر ذلك. ثمة مشكلة يصعب حلها، وهي أن العروي لا يحمل هاتفاً، ولا يكترث كثيراً لرنين هاتف منزله، إضافة إلى أنه كثير الأسفار.
عندما سئل عن موضوع التواصل، قال إنه يستعمل الهاتف للحديث مع أناس يرغب في الحديث معهم، لكن ليس بالضرورة أن يجيب على اتصالات مع أشخاص يرغبون في الحديث معه.
منطق صعب.
لندع ذلك جانباً.
كان آخر مؤلفات العروي، كتاب من الحجم الصغير اختار له اسم «استبانة».
في هذا الكتيب طرح العروي على نفسه مجموعة أسئلة تصل إلى 111 سؤالاً، حاول من خلالها محاورة الذات، وهو أسلوب ملفت. ليس غريباً على مفكر أن يختار هذا الأسلوب.
وجدت مناسباً استعراض بعض أفكاره التي أوردها في بعض كتبه.
في هذا الصدد ابتكر عبدالله العروي تعريفاً ملفتاً للصحفي. هذا التعريف يقول إن الصحفي هو «مؤرخ اللحظة».
تأملوا هذا التوصيف العميق. إذا سايرنا هذا التعريف الدقيق، سيكون دور الصحفي حتماً، هو نشر أكبر قدر من المعلومات عن «اللحظة الراهنة». هكذا تصبح حياة الصحفي كلها»لحظة راهنة»، لأن سيل الأخبار لا ينقطع. ويصبح مطلوباً منه رفد المتلقي بأكبر قدر من الأخبار، أي المعلومات.
في تقديري أن هناك خمس مراحل يمر منها الخبر(أي المعلومة) حتى يصبح «معرفة» وهو ما يمكن أن نطلق عليها «الطوابق الخمسة».
في الطابق الأول يكون الخبر عبارة عن «شائعة». وفي الطابق الثاني يتحول إلى «خبر غير موثق» إذا انعدمت المصادر. ويصبح «الخبر موثقاً» في الطابق الثالث، إذا توفرت المصادر. ثم في الطابق الرابع، تتحول المعلومات بعد تراكمها إلى «معرفة». وفي الطابق الخامس تتحول «المعرفة إلى وعي «أي أن تراكم المعلومات يمنح صاحبها القدرة على فهم وتحليل الواقع، وبعد ذلك توليد الأفكار لتوجيه المجتمع. بعبارة أخرى يتحول الشخص بفضل تراكم المعلومات إلى «مثقف».
وهكذا يتضح أن دور «الصحفي» في التوعية ليس فقط نقل الأخبار، بل توثيقها، والحرص على تدفق أكبر قدر من المعلومات الموثقة.
يعتقد العروي أن منطق الصحفي يتحكم في المؤرخ، ويفرض عليه شروطه، ومنطق المؤرخ يفرض نفسه على القاضي. ويأتي بمثال من التاريخ.
يقول أعدمت ماري انطوانيت في فرنسا عام 1793، وهو يرى أن فتح ملفها كان بسبب اتهامها «بالخيانة العظمى والتآمر مع العدو»، وفي رأيه أن ما حدث كان هو حكم قاضي بإيعاز من الصحفي. ثم يقول إن منطق الصحفي يتحكم في سلوك المؤرخ، إذ يفرض عليه شروطه من آنية وتبسيط وسرعة قرار، والمؤرخ يفرض منطقه على القاضي.
يقول العروي إن الشك هو الذي يدفع الناس إلى إعادة النظر في الشهادة البشرية، متسائلاً في الوقت نفسه عن سبب سعي القاضي إلى استبدال الشهادة البشرية بالدلائل المادية، ويستنتج أن المؤرخ يقوم بالعملية نفسها أثناء إعادة النظر في واقعة تاريخية.
ثم يخلص إلى أن التفسير شيء والتبرير شيء آخر، ويشرح ذلك فيقول «قد نفهم الحادث عقلاً ولا نستحضره وجدانياً، أي لا نرضاه لا نعترف به، لا نقر به فنتشبث بالشبهات».
أختم لأقول إن أفضل طريقة لفهم هذا المفكر الهادر هي قراءة ما كتب.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل