كتاب وأراء

العلاقات العربية ـــ الأميركية.. أين الخطأ؟ ومن المخطئ؟

لم يعد مقبولاً تعليق حل الأزمات العربية كل مرة في رقبة القادم الجديد إلى البيت الأبيض، فقد ثبت بالتجربة على مدى ربع قرن مضى على الأقل أن هذا المبدأ أضر بالجانب العربي أكثر مما أفاده من ناحية، وعكر أجواء العلاقات العربية الأميركية من ناحية أخرى. وبما أن الوضع كذلك فإن المسؤولية العربية تقتضي الآن وليس غدا إجراء مراجعة صادقة مع النفس وخالية من كل هوى، تنتهي إلى وضع استراتيجية عربية مغايرة جوهرها تصويب مسار العلاقات العربية الأميركية.
كل التقييمات والتوقعات التي تكررت مجددا مع الزلزال السياسي الذي أحدثه فوز ترامب انطلقت ومنذ زمن طويل من اعتبارات الحب والكراهية والأمل والتمنيات والانتظار على أبواب البيت الأبيض ورد الفعل وليس الفعل، وليس من اعتبارات الواقعية وتقدير حجم القدرات الذاتية العربية واستغلال الفرص السياسية التي أتيحت فعلا للجانب العربي وأهدرها لأسباب واهية إما بسبب المكايدة السياسية العربية المتبادلة الصريحة أو المستترة أو بسبب الطموحات والمصالح الشخصية المتضاربة عند صانع القرار في المنطقة العربية.
والآن عندما يتسلم ترامب السلطة رسميا في 20 يناير 2017 فإن نتائج الاستراتيجية العربية العقيمة ستكون ماثلة بوضوح في أجندة عمله السياسية، ويجب ألا ينتظر الجانب العربي منه أن يحرك ساكنا طالما استراتيجية الاستدعاء والتمنيات على حالها.
سيجد الأزمة السورية وقد عادت إلى المربع الأول وربما في وضع أسوأ بعد أن أصبح الحل العسكري هو الخيار القائم وروسيا هي الفاعل القوى الوحيد.
وسيجد الأكراد وقد أحكموا سيطرتهم على الأراضي التي قاموا بتحريرها سواء في العراق أو سوريا، فضلا عن ضم كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان الذي بات قاب قوسين أو أدنى من إعلان نفسه دولة مستقلة.
وسيجد تركيا وقد أمنت لنفسها مناطق حماية في شمال سوريا، والعراق ليس من المستبعد أن يقوم بضمها عمليا.
وسيجد إدارة أوباما وقد سبقته بالتفاوض مع الحوثيين في محاولة أخيرة لفك ألغاز أزمة لم يفلح الحل العسكري في حسمها، وعليه أن يبني على ذلك لا أن يبدأ العمل من جديد.
وسيجد ليبيا ليس فقط بلا دولة ولكن أيضا بلا سلطة واحدة، فضلا عن صراع الكل ضد الكل على النفط.
وسيجد رئيسا في لبنان جاء بالتوافق ولكن بعد ولادة عسيرة والأهم أنه حليف أو صديق لحزب الله الذي إلى وقت قريب كان مصنفا على أنه جماعة إرهابية! وأما القضية الفلسطينية فقد بادر الرجل مبكرا جدا بتعهده أن تصبح القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية وهو الأمر الذي تلقفته إسرائيل وبدأت تفعيل مظاهره سريعا.
وأخيرا أورثته إدارة أوباما قانون «جاستا» الذي أثار استياء المنطقة العربية.
لا يعني ما سبق أن الإدارات الأميركية بريئة مما حل بالمنطقة العربية من أوجاع، فالثابت بالوقائع أنها شريكة بل وضالعة أحيانا في هذه الأوجاع، ولكن ما لا يمكن إغفاله أن الإدارة العربية للعلاقات مع الولايات المتحدة القائمة على الاستراتيجية السالفة الإشارة لها هي التي تتحمل الشق الأكبر من المسؤولية عما حاق بالأوضاع العربية من ترد في السنوات الخمس الأخيرة على وجه التحديد، بينما تتحمل الإدارة الأميركية الشق الأصغر من المسؤولية، ومن ثم فإن تصويب مسار العلاقات هو من واجب الإدارة العربية قبل أن يكون افتراضا معلقا مطلوبا من الجانب الأميركي.
سياسة الانتظار على البيت الأبيض ثبت فشلها وقادت العرب من سيئ إلى أسوأ. لن ننتظر من ترامب أن يفعل ما عجز عنه سابقوه، بل الأرجح أن ننتظر إما اللامبالاة أو العصف. فقط يبدأ الإنقاذ بالاتفاق العربي رسميا كان أم شعبيا على التعامل بالواقعية وليس بالتمنيات وبالمبادرة في حل أزماتنا الواحدة تلو الأخرى بقدراتنا الذاتية حتى لو كانت بأنصاف الحلول وليس بالوقوف عند الباب الأبيض.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد