كتاب وأراء

في الكون أسرار تحير العلماء (2-2)

منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام توقف المفسرون أمام قول الله تعالى: «وألقى في الأرض رواسي» (النحل 15) ولم يتضح المقصود إلا بعد أن تقدم علم طبقات الأرض الجيولوجيا وتوصل إلى أن معظم الجبال النارية القديمة زالت بفعل عوامل التعرية، وهذا الجزء الذي أزيل هو الذي تشير إليه الآية، لأن هذه الأجزاء المقتطعة من الجبال النارية القديمة كانت موجودة عند نشأة الأرض ودلت الاكتشافات الأخيرة أن الجبال الشامخة في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأستراليا لها وظيفة في غاية الأهمية، وهي أنها هي التي تثبت الأرض وتحميها من الاضطراب.
واكتشف العلماء أن هذه الجبال لها امتدادات تحت القشرة الأرضية ويصل سمك القشرة الأرضة تحت القارات إلى خمسة كيلومترات بينما يصل سمك القشرة الأرضية تحت الجبال إلى 35 كيلومتراً، ووجدوا أن هذه الجبال على شكل أوتاد، وهذا ما أشار إليه القرآن في سورة النبأ الآيتين 6 و7 بقوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا» والاكتشافات الحديثة أثبتت أن القشرة الأرضية خمسة كيلومترات تحتها صخور سائلة، فإذا كانت الأرض تعوم على سائل، فلماذا نجدها مستقرة بلا تموج ولا اضطراب؟ الحكمة الإلهية أن الجبال تمثل الجذور أو الأوتاد وهي منغرسة في طبقة الصخور السائلة.
واكتشف العلماء أن الجبال هي مخازن عظيمة للمعادن من النحاس والحديد والرصاص والماغنسيوم والكالسيوم والجبس والكبريتديد، والزنك والفضة والذهب والرخام والفحم والفوسفات والمنجنيز والنيكل والقصدير وبعض الجبال فيها مدرجات وتربة صالحة للزراعة اعتماداً على الأمطار، كما في منطقة جيزان بالسعودية وعلى قمم الجبال تتكون الثلوج شتاء وتذوب في الصيف فتتحول إلى جداول وأنهار وهكذا يجد الناس رزقهم من الجبال وأدرك العلماء السر في قول الله تعالى «والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون» (الحجر- 19).. ففي الجبال خيرات كثيرة ومنافع لحياة الناس والكائنات الحية الأخرى، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (إبراهيم 34) و(النحل 18).
فالماء في كل شيء حي في الكون وليس في الإنسان فقط، بل في الحيوان والنبات والطحالب والبكتيريا، ولهذا خلق الله المساحة الكبرى من الكرة الأرضية ماء في المحيطات والبحار والأنهار والمحيطات فيها أكبر قدر من الماء في الكون وهو ماء مالح، وكذلك البحار ماؤها مالح، بينما لأنهار مياهها عذبة صالحة للشرب والري والأنهار تتجه في حركتها إلى البحار والبحار تصب في المحيطات والمياه في المحيطات شديدة الملوحة وحكمة الله في ذلك أن الملوحة تقتل الكائنات الدقيقة التي تنمو على سطح المياه العذبة، فالبحار والمحيطات إذن هي خزانات مياه هائلة والحكمة الإلهية أن جزءاً من مياه المحيطات والبحار والأنهار يتبخر بحرارة الشمس فيصبح البخار سحاباً حين يتجمع إلى أن تسقط مطراً فتروي الأرض ويعش عليها الإنسان والكائنات جميعها، ويتسرب جزء منها إلى باطن الأرض وفي باطن الأرض أنهار من المياه الجوفية، كما على سطح الأرض أنها تتلقى مياه المطر وتلقي الفائض في البحار ثم إلى المحيطات وهكذا نفهم قول الله تعالى: «ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله.. وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار» (النور 43) والودق هو الماء الذي ينزل من السحاب الذي يتكون على هيئة جبال، ولم يدرك الإنسان كيف يكون السحاب كالجبال، إلا بعد أن صعد الإنسان فوق السحاب ورأى من نافذة الطائرة أن السحاب على هيئة جبال، وهكذا تتجلى قدرة الله في أصغر شيء في الوجود وهو الذرة والخلية والأميبا، وفي أكبر شيء وهو الكون كله وليس الأرض فقط، فالأرض ليست إلا جزءاً من الكون الكبير.. وأسرار الكون تنكشف للإنسان يوماً بعد يوم بالعلم ومع تقدم العلم صدق الله العظيم بقوله: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» (الإسراء– 85).

بقلم : رجب البنا

رجب البنا